رغم الحديث المتزايد عن مؤشرات استقرار سياسي واقتصادي نسبي في لبنان، لا تزال ظاهرة الهجرة تسجّل أرقاماً مرتفعة، في مشهد يعكس فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي وواقع المواطنين. فآلاف اللبنانيين يواصلون مغادرة البلاد بحثاً عن الأمان الوظيفي والاستقرار المعيشي، وسط شكوك واسعة بقدرة الدولة على تأمين مستقبل مستقر لشبابها.
وفي وقت يُفترض في أن يشكّل هذا الاستقرار عامل جذب للعودة والاستثمار، تظهر الأرقام أن النزيف البشري مستمر بوتيرة مقلقة، ما يطرح علامات استفهام حول فعالية الإجراءات المتخذة لمعالجة أسباب الهجرة.
وفي أحدث الأرقام، أفادت منظمة الهجرة الدولية بأنه خلال عام 2025، غادر 2,850,623 مواطناً البلاد بين 24 أيلول/ سبتمبر 2024 و12 كانون الأول/ ديسمبر 2025، في مقابل دخول 2,630,344 شخصاً.
وبحسب الأرقام، فإن 220,279 لبنانياً سافروا ولم يعودوا، في مؤشر يعكس تصاعد الهجرة الدائمة، خصوصاً في صفوف الشباب، نتيجة عدم الاستقرار الأمني والاقتصادي.
“تأثير على سوق العمل”…
في حديث الى “النهار”، يؤكد الخبير الاقتصادي وليد بو سليمان أن “الهجرة الواسعة من لبنان تؤثر بشكل مباشر وعميق على سوق العمل، إذ يتركز الجزء الأكبر من المهاجرين في الفئات الشابة والمتعلمة وأصحاب المهارات المتوسطة والعالية، ما يؤدي إلى استنزاف رأس المال البشري الذي يعد المحرك الأساسي للإنتاجية والابتكار”.
ويضيف: “هذا الواقع يخلق اختلالاً في هيكل سوق العمل، حيث تعاني القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم والهندسة والتكنولوجيا من نقص متزايد في الكفاءات، ويحد من قدرة المؤسسات على التطور والتوسع.
كما أن فقدان هذه الطاقات يضعف دينامية سوق العمل، ويؤدي إلى تراجع فرص نقل المعرفة والخبرات، ويساهم في زيادة هشاشة الاقتصاد عبر الاعتماد على عمالة أقل تأهيلاً أو على تحويلات خارجية بدلاً من الاستثمار في القدرات المحلية”.
وعلى المستوى الاقتصادي الكلي، يلفت بو سليمان إلى أن “الهجرة تساهم في تعميق ضعف النمو الاقتصادي، إذ تؤدي إلى تقلص حجم القوى العاملة المنتجة وانخفاض الاستهلاك والاستثمار المحليين، ما ينعكس في تباطؤ الدورة الاقتصادية وتراجع الناتج المحلي الإجمالي”.
كذلك يرى “أن خروج أعداد كبيرة من دافعي الضرائب يقلص الإيرادات العامة ويحد من قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية والبنية التحتية، ما يزيد من تدهور البيئة الاقتصادية”.
ويشير إلى أنه “رغم أن تحويلات المغتربين تشكل دعامة موقتة للاستقرار النقدي وتخفف من حدة الفقر، إلا أنها تظل ذات طابع استهلاكي في معظمها ولا تعوض الخسائر الهيكلية الناجمة عن هجرة الكفاءات، ولا يمكن أن تشكل بديلاً من إصلاحات اقتصادية وأمنية تتيح تحقيق نمو مستدام وشامل داخل لبنان”.
” تآكل الطبقة الوسطى”…
تشكل الهجرة المتزايدة من لبنان أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد وسوق العمل، إذ يؤدي خروج الأيدي العاملة الشابة والمتعلمة إلى تفاقم الضغوط على الإنتاجية والكفاءات المحلية، ويطرح أسئلة حول مستقبل النمو والتنمية. لكن، هل يمكن لتحويلات المغتربين أن تخفف من حدة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي؟
في السياق، يؤكد عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أنيس بو دياب في حديثٍ الى “النهار” أنَّ “تحويلات المغتربين تساهم في التخفيف من حدّة الانهيار الاجتماعي في لبنان، لكنها لا تعوّض الخسارة البنيوية في رأس المال البشري الناتجة من الهجرة المتزايدة”.
ويشير إلى أن هذه التحويلات تؤمّن الحاجات الأساسية من غذاء وطبابة وتعليم، وقد تدعم استقرار سعر الصرف عبر تحسين ميزان المدفوعات، كما تخفف الضغط عن الدولة من خلال شبكات الأمان الاجتماعي. لكنه يلفت إلى أنها تحلّ مكان الدولة الغائبة ولا تشكّل بديلاً من قيام اقتصاد منتج.
ويعتبر أن هجرة الأطباء والمهندسين وأصحاب الاختصاص ورواد الأعمال تؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى المنتجة وتراجع الإنتاجية على المدى الطويل، في ما يُعرف بالأثر الخارجي لرأس المال البشري.
ويحذّر من أن “ازدياد التحويلات يعمّق اعتماد الاقتصاد على الريع الخارجي ويضعف الحوافز على الإصلاح، ما يكرّس نموذج الاقتصاد الهش أو اقتصاد الصمود المهمَّش”.
وفي ما يتعلق بسؤال الحدّ من الهجرة، يؤكد أن الهجرة ليست مجرد قرار فردي اضطراري، بل تشكّل في جوهرها “تصويتاً جماعياً ضد السلطة والدولة”. ويشير إلى أن مقاربة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون عاطفية مرتبطة بالأسرة والعائلة، ولا أمنية فقط، بل يجب أن تكون سياسية- اقتصادية- مؤسساتية شاملة.
ويعتبر أن الحل يكمن في بناء منظومة مؤسساتية قادرة على جعل الاقتصاد أكثر إنتاجاً لفرص العمل، بما يعيد الثقة ويحدّ من دوافع الهجرة المتزايدة. ويشير إلى أن نحو 40 ألف خريج ينهون دراستهم سنوياً، بينما لا يوفر الاقتصاد سوى حوالى 4 آلاف فرصة عمل فقط.
الحدّ من الهجرة…
ويواجه لبنان تحدياً مستمراً في الاحتفاظ بالكفاءات الشابة نتيجة الهجرة المتزايدة، ما يجعل خلق فرص العمل وتحسين الأوضاع المعيشية من الأولويات الملحّة.
ويشير بو دياب إلى أن الحدّ من الهجرة يبدأ باستعادة الحدّ الأدنى من الأمان المعيشي، وحماية الرواتب من التآكل، ودعم الجامعات والتعليم الرسمي والتعليم عموماً، لما لذلك من دور أساسي في وقف نزف الكفاءات.
ويؤكد أهمية تقديم منح تحفيزية للطلاب المتفوّقين في مقابل بقائهم في لبنان، بالتوازي مع ضرورة خلق فرص عمل منتجة وحقيقية لا وهمية، في إطار اقتصاد قابل للتصدير، قائم على التكنولوجيا المتقدمة، والزراعة ذات القيمة المضافة العالية، والصناعات الخفيفة.
ويلفت إلى أهمية إشراك المغتربين في الاستثمار لا في الاستهلاك فقط، عبر حوافز ضريبية في مقابل خلق فرص عمل ووظائف محلية، معتبراً أن “التحدي الأصعب يبقى في استعادة ثقة المغترب بلبنان”.
ويختم بالتأكيد أن “الهجرة هي في جوهرها ردّ فعل على غياب الدولة، وليست بالضرورة نتيجة ضعف الاقتصاد وحده”.
يبقى تحدّي الهجرة في لبنان مؤشراً واضحاً على أزمات هيكلية عميقة في الاقتصاد وسوق العمل، وعلى هشاشة الأطر المؤسسية والاجتماعية. إن فقدان الكفاءات الشابة والمتعلمة يضعف الإنتاجية ويحد من قدرة الدولة على تحقيق نمو مستدام، بينما تبقى التحويلات الخارجية دعماً موقتاً لا يعوّض الخسائر البنيوية.
لذلك، يصبح بناء اقتصاد منتج يوفر فرص عمل حقيقية وتحسين الأوضاع المعيشية ضرورة ملحّة لوقف نزيف الكفاءات وإعادة الثقة بالمستقبل الوطني. وفي غياب هذه الإصلاحات الشاملة، سيظل لبنان معرضاً لموجات هجرة متجددة تهدد استقراره الاجتماعي والاقتصادي.
الهجرة تتواصل في لبنان… تحديات كبيرة لسوق العمل والاقتصاد .