تلازم إعلان جيش لبنان “السيطرة العملانيّة” على منطقة جنوب نهر الليطاني، مع تأجيل مجلس الوزراء القرار بشأن حصريّة السلاح شمال الليطاني، معلِّقاً الأمر إلى شهر شباط المقبل. أما يزال المسؤولون اللبنانيّون يراهنون على أن يأتي الأميركيّون بتنازل كانسحاب إسرائيليّ من إحدى التلال على الحدود يستبعده العارفون أم ما يحدث هو وقفة تترقّب تداعيات المشهد الإقليميّ – الدوليّ لعلّه يخدم هدف منع الحرب الإسرائيليّة الواسعة ضدّ “الحزب” والبلد؟
لا يزال ما اصطُلِح على وصفه بـ”التفهّم” الأميركيّ لكفاءة خطوات الجيش اللبنانيّ في سحب سلاح “الحزب” جنوب الليطاني يغذّي الآمال اللبنانيّة للجم إدارة دونالد ترامب اندفاع بنيامين نتنياهو نحو عمل عسكريّ واسع ضدّ لبنان و”الحزب”.
هل يصمد لجم واشنطن لإسرائيل؟
حتّى ما قبل انعقاد مجلس الوزراء أوّل من أمس كان لبنان يؤمن بسياسة التريّث التي طلبتها إدارة ترامب من إسرائيل حياله. هذا ما أبلغه أحد المسؤولين لـ”أساس” عشيّة الجلسة، متمنّياً أن تصمد واشنطن على هذا النهج، الذي لا يشمل لجم تل أبيب عن الضربات الانتقائيّة اليوميّة ضدّ ناشطي “الحزب” وحتّى بيئته المدنيّة. واشنطن منشغلة بفنزويلّا واحتجاجات إيران.
تبقى المراهنة على استبعاد توسيع الحرب ضدّ لبنان لأسباب أميركيّة محفوفةً بالمخاطر مقابل تشدّد إيران و”الحزب”. استبق الجيش الإسرائيليّ إعلان الجيش اللبنانيّ “تحقيق أهداف المرحلة الأولى بشكل فعّال وملموس على الأرض” بالتشكُّك. ألحق صدور البيان بتسريب أخبار عن أنّ ما أعلنه الجيش اللبنانيّ لا يتطابق مع الواقع، وأنّ “الحزب” يتحرّك في الجنوب. يدعو ارتفاع لهجة تسريبات وتهديدات قيادة الجيش الإسرائيليّ قيادات لبنانيّة إلى القلق، خصوصاً أنّ “هيئة البثّ الإسرائيليّة” نقلت عن وزراء أنّ نتنياهو أبلغهم بأنّ الرئيس ترامب وافقه على توجيه ضربة لـ”الحزب”.
لماذا اعتبر نتنياهو خطوة الجيش “مشجِّعة”؟
إلّا أنّ ما صدر عن مكتب نتنياهو تعليقاً على إنهاء المرحلة الأولى من خطّة حصريّة السلاح، باعتباره ما حقّقه الجيش اللبنانيّ “بداية مشجّعة لكن غير كافية”، أوحى لبعض المراقبين بأنّه قد يعني التريّث في شنّ الحرب. سبق له أن استخدم تعبير “مشجّع” إزاء قرار الحكومة اللبنانيّة في 5 آب الماضي حيال خطّة حصريّة السلاح.
يشير مراقبون إلى استمرار سريان الآمال لإبعاد الحرب عن لبنان، التي عبّر عنها رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون قبل أسبوعين. في بيان الجيش ما يسمح بالاستنتاج أنّ فترة “التسامح” الأميركيّ مع السلطة اللبنانيّة قابلة للتمديد. إذ سبق لواشنطن أن دعت نتنياهو إلى إعطاء “فرصة” للبنان الرسميّ وجيشه لمواصلة جهود سحب سلاح “الحزب”. ويمكن تسجيل النقاط التالية في ما صدر عن الجيش:
- قطعت قيادة الجيش التزاماً على مستقبل الوضع العسكريّ – الأمنيّ جنوب الليطاني، حين شدّد بيانها على أنّه نفّذ “القرارت الدوليّة ذات الصلة، بما يضمن عودة الأمن والاستقرار إلى الحدود الجنوبيّة، ومنع استخدامها نهائيّاً منطلقاً لأيّ أعمال عسكريّة”. هذا يعني عدم السماح بعودة النشاط العسكريّ لـ”الحزب” جنوب النهر، وتبديد المخاوف الإسرائيليّة من استعادته مواقع قتاليّة وتسليحيّة هناك.
استطراداً يطمئن هذا إسرائيل إلى أنّ القوّات المسلّحة اللبنانيّة لن تسمح بتهديد أمن سكّان الشمال. سبق للأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم أن قال قبل زهاء شهر إنّ أمن مستوطنات الشمال لن يُمسّ.
- أضاف بيان الجيش: “العمل في القطاع ما يزال مستمرّاً، إلى حين استكمال معالجة الذخائر غير المنفجرة والأنفاق، إضافة إلى طلبات اتّخاذ الإجراءات ((RFAs لتثبيت السيطرة، وذلك بهدف منع الجماعات المسلّحة من إعادة بناء قدراتها، بشكل لا عودة عنه”. علاوة على أنّ هذا سبب إضافيّ لإسقاط حجّة قلق إسرائيل على أمن مستوطنات الشمال، فإنّه التزام من الجيش مواصلة الإجراءات المتّفق عليها مع الراعيَين لاتّفاق وقف الأعمال العدائيّة في 27 تشرين الثاني 2024، أي الجانبين الأميركيّ والفرنسيّ.
الإجراءات التي أشار إليها الجيش باستخدام الأحرف الإنكليزيّة، هي اختصار لقاعدة متّبعة في لجنة “الميكانيزم” التي تجتمع أسبوعيّاً. وهي تعني “الإبلاغ، التحقّق، التنفيذ” لأيّ معلومات إسرائيليّة عن وجود سلاح أو مستودعات أسلحة أو مسلّحين يجري إبلاغ الجيش بها عن طريق ضبّاط أميركيّين، فيتحقّق مع قوّات الأمم المتّحدة من الأمر، ثمّ يصادر الأسلحة إذا صحّت المعلومات الاستخباريّة الإسرائيليّة عنها، وتطبيق الجيش لهذه القاعدة بدقّة خلال الأشهر الماضية هو الذي استجلب المديح الأميركيّ لسلوك الجيش بأنّه “ممتاز”.
- في معرض التزام الجيش حصريّة السلاح بيد الدولة في كلّ المناطق و”تحديد مسار المراحل اللاحقة من الخطّة الموضوعة”، أشار إلى عوامل تعيقه:
- “استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة واحتلال عدد من المواقع داخل لبنان، وإقامة مناطق عازلة، علاوة على الخروقات اليوميّة لاتّفاق وقف الأعمال العدائيّة”.
- تأخّر وصول القدرات العسكريّة الموعودة للجيش، الأمر الذي يشكّل عاملاً مؤثّراً في وتيرة تنفيذ المهامّ.
بانتظار مؤتمر الجيش
ثمّة من يفهم تأجيل وضع خطّة الجيش للمرحلة الثانية إلى شهر شباط المقبل على أنّه نوعٌ من الحثّ للدول الداعمة للجيش كي تستعجل ما وُعِد به من مساعدات، ما دام ممثّلو هذه الدول يقرّون بتحقيقه إنجازات لاستعادة السيادة وسحب السلاح. وعدت أميركا وفرنسا والسعوديّة بعقد مؤتمر دعم الجيش في شباط، ويُنتظر أن يجتمع ممثّلوها في بيروت الأسبوع المقبل.
لكنّ أهدافاً أخرى تقف وراء تأجيل خطّة سحب السلاح في المرحلة الثانية، بين نهرَي الليطاني والأوّلي وصولاً إلى صيدا، التي يتطلّب تنفيذها 4 أشهر، وفق الخطّة الأساسيّة التي رحّبت بها الحكومة في 5 أيلول الماضي. من هذه الأهداف إفساح المجال أمام اتّصالات أميركا مع إسرائيل لعلّها تنسحب من إحدى التلال الحدوديّة المحتلّة. معطيات دبلوماسيّين أجانب من تل أبيب أنّ قيادة الجيش الإسرائيليّ تقرّ بأن لا قيمة أمنيّة وعسكريّة لوجوده فيها، واحتلالها سياسيّ. يعود التأجيل إلى شباط لترقّب الاتّصالات مع “الحزب” وإيران لعلّها تسهّل مواصلة سحب السلاح.
لا بدّ من ترقّب الرسالة التي يحملها وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي لبيروت، وتداعيات سقوط فنزويلّا على موقع إيران الإقليميّ.
بيان الجيش يطمئن المستوطنات وشركاء “الميكانيزم”؟ .