في لبنان الذي يتقن صناعة الجدل أكثر من إتقانه صناعة الرجاء، انفجرت قضية الأب البرتغالي Padre Guilherme، المعروف عالميًا بـ “الكاهن الـ DJ”، قبل أن تبدأ فعلًا. كاهنٌ جال العالم، حاملًا همّ جيلٍ غارقٍ في ضوضاء هذا العصر، فاختار أن يقترب من الشباب بلغتهم دون أن يخلع كهنوته: مزج التراتيل والترانيم والتسبيحات مع موسيقى إلكترونية من نوع الـ Techno، لا كي “يستبدل” الصلاة، بل كي يفتح نافذةً لمن لا يدخلون الكنائس، وكي يقول لهم بوضوح: اللّه حاضر، والكنيسة ليست بعيدة من نبضكم.
اليوم، يزور الأب غييرمي لبنان، والحفل الذي سيقدّمه في أحد الملاهي الليلية وصل إلى مستويات بيعٍ “فوق الخيال”، حتى بلغ الدفعة العاشرة Wave 10. هذه ليست تفصيلة تسويقيّة. إنها علامة اجتماعيّة وروحيّة في آن: الشباب يأتون. حين يأتي الشباب طوعًا إلى مساحةٍ تحمل في عمقها صدى ترنيمة، فهذا حدثٌ لا يجوز أن نواجهه بعصبيةٍ ولا بتحريمٍ جاهز.
ومع ذلك، ارتفع الاعتراض إلى مستوى قضائي: نحو 18 شخصًا، بينهم رجال دين، تقدّموا بعريضة لدى قاضي الأمور المستعجلة في بيروت لطلب منع الحفل، بذريعة أنه مخالف للأخلاق وتعاليم الكنيسة ويشوّه صورة الديانة المسيحية وطقوسها، وكان القرار بردّ الاستدعاء المقدَّم لوقف الحفلة الموسيقية وذلك لانتفاء الصفة القانونية لدى الجهة المستدعية حيث إنها لم تُثبت تمثيلها أي مرجعية أو هيئة دينية رسميّة، ما يسقط شرط الصفة القانونية اللازمة لقبول الطلب.
ثمّ زاد المشهد التباسًا حين لوّح المعترضون بأنه إن لم يصل القضاء إلى مبتغاهم فسيذهبون إلى “التظاهر السلمي وحرق الدواليب”. وهنا يُطرح السؤال الذي لا يجوز الهروب منه: هل حرق الدواليب تظاهر سلميّ؟ أيّ سلامٍ هذا الذي يملأ الطرقات دخانًا ويخنق الناس ويهدّد أمنهم؟ وأي “غيرة على الإيمان” تُترجم بإيذاء المجتمع؟
القضيّة ليست موسيقى…
فلنضع الأمور في نصابها: الأب غييرمي لم يأتِ ليقيم قداسًا على منصّة ملهى، ولم يبدّل المذبح بديكوراتٍ أو أضواء، ولم يستعمل الأسرار مادة للعرض. نحن أمام كاهن اختار وسيلة تواصلٍ مع جيلٍ يعيش على الإيقاع، ويرتاح للغة الموسيقى أكثر من ارتياحه للخطب الطويلة. إن كان العالم يسحب شبابنا نحو التفاهة والإدمان والعدم الروحيّ، فلماذا نستنكر محاولة كاهن أن يسحبهم، ولو بخيطٍ موسيقيّ، إلى جهة المعنى؟
المفارقة المؤلمة أن كثيرين يرفعون الصوت ضد “حفلة”، فيما يسكتون، أو يتعايشون، مع ظواهر أخطر بكثير: صفقات، استغلال نفوذ، انحرافات أخلاقية، خلط الدين بالمصالح، وتسييس المنابر. لا نُعمّم بالطبع، والغالبية الساحقة من كهنة لبنان قدّيسون في خدمتهم وصامتون في عطائهم، لكن السؤال يبقى مشروعًا: لماذا تُستنفَر “الغيرة” هنا تحديدًا، بينما تُطوى ملفات أخرى بصمتٍ ثقيل؟
متى كانت الكنيسة عدوّة للفن؟
المزامير لم تُكتب لتُقرأ كبيانٍ إداريّ. إنها صلاةٌ تُنشد. والليتورجيا، في جوهرها، ليست كلامًا فقط، بل نَفسًا ونغمة وتناغمًا. الكنيسة عبر تاريخها لم تُقصِ الفن حين كان الفن طريقًا إلى القلب. من يهاجم الموسيقى كأنها بذاتها نجاسة، ينسَ أن المسيحية عرفت الترنيم قبل أن تعرف مكبّرات الصوت، وأن الروح البشرية تتعلّم أحيانًا عبر اللحن أكثر من تعلّمها عبر الجدل.
الاعتراض الحقيقي إذًا ليس على “الموسيقى”، بل على الصدمة من الجديد. غير أن الإيمان لا ينمو في متحف. والكنيسة التي تخاف لغة العصر، تُسلّم شبابها للعصر بلا مقاومة.
مرجعية الكنيسة ليست منصّات الغضب
ثمّة معطى لا يمكن تجاهله: الأب غييرمي لم يعمل في الخفاء ولا في العتمة. لقد نال تشجيعًا بابويًا: البابا فرنسيس بارك مسيرته وشجعه، والبابا لاوون الرابع عشر شارك برسالة فيديو للشباب في إحدى حفلاته. فإذا كانت المرجعية العليا ترى في هذه الرسالة بابًا رعويًا للشباب، فمن يملك الحق في تحويل نفسه مرجعًا مضادًا، يوزع صكوك الاتهام ويمنح شهادات “التديّن الصحيح” على الناس والكهنة؟
مصدر كنسيّ رفيع قال بوضوح عبر “نداء الوطن” إن الكنيسة في لبنان لم تتدخل لاعتبارات عدّة، بينها رضى الكرسي الرسولي عن رسالة الأب غييرمي: “إذا كان الفاتيكان راضيًا فلماذا نحن لا نرضى؟” وقد تُرجم ذلك في صمت البطريركيات الكاثوليكية والمركز الكاثوليكي للإعلام. وهذا الصمت ليس تخلّيًا، بل إشارة إلى أن الملف لا يستحق هذا النهج، وأن منطق الكنيسة أوسع من منطق ردود الفعل.
من جهته، نشر الخوري هاني طوق عبر صفحته على “فايسبوك” منشورًا مطوّلًا قدّم فيه قراءة لاهوتية – رعوية، معتبرًا أنها ليست “حدثًا موسيقيًا” بقدر ما هي نهجٌ رسالي يدخل إلى ثقافة الشباب بهدف تحويلها من الداخل نحو المسيح.
وأوضح طوق أن سرّ التجسّد يشكّل الأساس اللاهوتي لهذا التوجّه، مستشهدًا بقول الإنجيل: “والكلمة صار جسدًا وسكن بيننا”، معتبرًا أن الكنيسة مدعوّة إلى القرب من الإنسان ومخاطبته بلغته، وأن استخدام الأب غييرمي الموسيقى الحديثة هو “تجسّد للرسالة لا تغيير لجوهرها”.
وأشار طوق إلى أن الكنيسة، تاريخيًا، لم تُقدّس نمطًا فنيًا واحدًا، بل مارست تمييزًا بين الشكل والروح، مستعرضًا تنوّع المدارس الموسيقية التي استخدمتها عبر القرون، ومؤكدًا أن “الروح القدس يقدّس القلوب لا الأنماط الموسيقية”، طالما أن الفن يقود الإنسان نحو اللّه.
وفي السياق عينه، استند طوق إلى وثائق كنسية حديثة مثل Gaudium et Spes وChristus Vivit و Evangelii Nuntiandi، معتبرًا أن معيار الرسالة اليوم هو قدرة الكنيسة على الإصغاء والانخراط في ثقافة العصر بوصفها “مكانًا لاهوتيًا” تتكشف فيه علامات الأزمنة.
أمّا على المستوى الاجتماعي – الرعوي، فرأى طوق أن لغة الشباب باتت مساحة رسالية ضرورية في زمن تتفاقم فيه الهشاشة النفسية والعزلة والفراغ الروحي، معتبرًا أن مبادرة الأب غييرمي تفتح “مساحة آمنة” تتيح اللقاء قبل التعليم والانتماء قبل المعتقد. وشدّد على أن الحكم على هذه الخبرة ينبغي أن يكون وفق “معيار الثمار”، من خلال ما ينتج عنها من قرب من الكنيسة وعودة إلى الأسرار وتغيّر في الحياة.
وختم الخوري هاني طوق بالتأكيد أن ما يقوم به الأب غييرمي هو “عملية تجسّد رسالية” تعود إلى جذور الإنجيل: اللقاء والبحث والإصغاء والانطلاق نحو الإنسان حيث هو.
من ذاكرة لبنان: الأب فادي تابت… والدرس الذي لم نتعلّمه
ليست هذه المرّة الأولى التي يواجه فيها لبنان هذا النوع من الانقسام. يوم بدأ الأب فادي تابت المرسل اللبناني، بالتمثيل المسرحيّ وإعداد الأعمال الفنية والترتيل على أنغامٍ شعبية، قامت حملات التخوين، وانقسم المجتمع، ودخل بعض رجال الدين على خط الاعتراض. لكن هل توقف الأب فادي تابت عن رسالته؟ لا. لأن الرسالة تُقاس بثمارها لا بصراخ خصومها. وحتى نالت أعماله بركة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، ثمّ البطريرك مار بشارة بطرس الراعي.
عن القضاء… وعن “الاحتجاج”
القضاء له احترامه، ومن حق أي مواطن أن يسلك الطرق القانونية. لكن تحويل القضاء إلى ساحة “منعٍ أخلاقي” قبل التحقق من الوقائع، يُشبه كثيرًا عقلية المصادرة: نحكم أولًا، ثمّ نبحث لاحقًا عن تبرير. أمّا التلويح بـ “التظاهر السلمي وحرق الدواليب”، فذلك تناقضٌ فاضح: من يريد الدفاع عن الأخلاق لا يهدّد المجتمع بأدوات الفوضى.
الاعتراض السلميّ له أشكال حضارية: بيان، نقاش، لقاء كنسيّ، مساءلة عبر المرجعيّات. أمّا الحرق وقطع الطرقات، فليسا سلامًا ولا شهادة، بل تشويهًا مزدوجًا: من جهة للقضية ومن جهة أخرى لصورة الكنيسة.
الكنيسة التي لا تذهب إلى “الخراف الضالة”… تُلام لا تُمدَح
المسيح نفسه ترك التسعة والتسعين وذهب يبحث عن الواحد الضائع. هذا ليس شعارًا شاعريًا، بل منهج خلاص. ومنطق الإنجيل واضح: الكنيسة تُرسل لتقترب لا لتستعلي، لتضمّد لا لتدين، لتفتح الباب لا لتقفل الطريق. والقديس بولس، بجرأة المبشر، اختصر فلسفة الرسالة حين قال إنه صار للكل كل شيء ليخلّص على كل حال قومًا. المعنى ليس التنازل عن الحقيقة، بل اختيار الطريق الأقرب إلى الإنسان.
الأب غييرمي، في جوهر ما يقوم به، يحاول أن يفعل ذلك: أن يلتقط الشباب من حيث هم، لا من حيث نريدهم نحن أن يكونوا.
رسالة إلى المعترضين…
إلى المعترضين على حفلة الأب غييرمي: قد تكون نيات بعضكم صادقة، لكن الصدق وحده لا يكفي إن لم يرافقه تمييز ومعرفة واتضاع أمام مرجعية الكنيسة. لا يحق لأحد أن يحتكر المسيح، ولا أن يصادر رسالة كاهن قبل أن يرى ثمرها. لا يحق لأحد أن يرفع شعار “حماية الإيمان” حين يشاء وهو يلوّح بإيذاء الناس وقطع طرقاتهم. ولا يحق لأحد أن يتصرف كأنه “هيئة تفتيش” فوق الكنيسة، وفوق الفاتيكان، وفوق العقل، وفوق الرحمة.
الكنيسة لا تُحمى بالمنع الأعمى، بل بالقداسة الصامتة، وبالخدمة النزيهة، وبالشفافية، وبالعدل، وبالاقتراب من الشباب بدل جلدهم.
إن كنتم تخافون على الإيمان، فخافوا أولًا من أن يتحول الإيمان إلى قسوة، ومن أن تتحول الغيرة إلى حجرٍ يُرمى على كل جديد.
أما الأب غييرمي، فدعوه يُجرّب… ودعوا الشباب يقتربون… ثم احكموا على الثمر، لا على العنوان.
في النهاية، الإيمان الذي يهتز أمام إيقاعٍ موسيقي، ليس إيمانًا ضعيفًا فقط… بل إيمانًا لم يتعلّم بعد أن اللّه قادر أن يفتح بابًا من حيث لا نتوقع.
حين يخاف الإيمان من “الكاهن الـ DJ”… من يملك حق المنع؟ .