الرخصة الممنوحة للبلوك رقم 8 تقوم على مرحلتين استكشافيتين: الأولى تمتدّ على ثلاث سنوات، يُفترض خلالها أن يقوم الكونسورتيوم بإنجاز المسح الزلزالي ثلاثي الأبعاد على مساحةٍ تقارب 1200 كيلومتر مربع. أمّا المرحلة الثانية، ومدّتها سنتان بعد انتهاء السنوات الثلاث، فهي مخصّصة لحفر البئر الاستكشافي واتخاذ القرار النهائي بشأن الخطوات اللاحقة.
في بلدٍ تعوّد على الوعود أكثر من الاكتشافات، لم تعد الأسئلة حول النفط والغاز ترفًا سياسيًا ولا حلمًا مؤجلًا، بل أصبحت قضية سيادة ومحاسبة. فبعد سنوات من الترويج لـ”الكنز البحري” اللبناني، يبرز سؤال لا يمكن القفز فوقه: ماذا حصل فعليًا في البلوك رقم 9؟ هل كان ما جرى نتيجة معطيات علمية بحتة، أم أن الحسابات السياسية والاقتصادية لعبت دورًا أكبر مما أُعلن؟
وفي المقابل، يطفو سؤال لا يقلّ أهمية: ما مدى جدية “الكونسورتيوم” العامل في البلوك رقم 8؟ هل نحن أمام استثمار طويل الأمد يستند إلى ثقةٍ حقيقيةٍ بالمخزون الغازي، أم مجرّد خطوة محسوبة بحدّها الأدنى في انتظار ظروف أكثر وضوحًا؟
بين الصمت الرسمي، والتصريحات المتناقضة، والآمال المعلّقة، يصبح البحث في حقيقة ما جرى وما يجري ضرورةً وطنيةً لا مجرّد فضول إعلامي.
يطرح ما جرى في البلوك رقم 9 أسئلة أساسية حول أسباب توقّف أعمال الحفر، وحول ما إذا كان القرار الذي اتُّخذ مرتبطًا بالمعطيات الجيولوجية وحدها، أم أنّ السياق السياسي والأمني لعب دورًا مؤثّرًا في مسار هذا الملف.
فبعد انتهاء الحفر، أُعلن عدم التوصّل إلى كميّات تجارية من النفط أو الغاز. وقد جرى توصيف النتائج بعبارة أنّ “النفط اختلط بالماء”، في إشارةٍ إلى طبيعة التكوينات الجيولوجية التي لم تسمح بتجمّع الهيدروكربونات بشكل يمكّن من استثمارها اقتصاديًا. غير أنّ هذا التوصيف، على بساطته الظاهرية، يترك هامشًا واسعًا للتأويل، إذ لا يقدّم جوابًا قاطعًا حول ما إذا كانت الكميات المكتشفة معدومة، أم موجودة ولكن من دون العتبة التجارية المطلوبة.
من هنا، يبرز تساؤل مشروع حول ما إذا كانت النتائج الجيولوجية وحدها كافيةً لتبرير وقف الحفر، أم أنّ القرار جاء نتيجة مزيج من العوامل، من بينها ارتفاع كلفة الاستثمار، وعدم وضوح آفاق التطوير، إضافةً إلى المخاطر المرتبطة بالعمل في منطقةٍ تشهد توتّرات متصاعدة.
ويزداد هذا التساؤل حدّةً عند النظر إلى توقيت الإعلان عن النتائج، الذي جاء في منتصف تشرين الأول، متزامنًا مع اندلاع حرب غزّة وما رافقها من تصعيد عسكري في جنوب لبنان. هذا التزامن يضع القرار في سياقه الإقليمي الأوسع، حيث تصبح اعتبارات الاستقرار والأمن جزءًا لا يتجزّأ من أي قرار استثماري طويل الأمد في قطاع الطاقة.
في المحصّلة، تحوّل البلوك 9 من رمزٍ لآمال كبيرة بعد ترسيم الحدود البحرية إلى تجربة معقّدة، كشفت أنّ طريق لبنان نحو الاستفادة من ثروته الغازية ليس تقنيًا فقط، بل محفوف بعوامل سياسية وأمنية تجعل أي اكتشاف محتمل رهينة الظروف المحيطة به.
بعد توقيع اتفاق التنقيب عن الغاز في البلوك رقم 8 بين الدولة اللبنانية والائتلاف النفطي المؤلّف من “توتال”، و”قطر للطاقة”، و”إيني” الإيطالية، عاد ملف النفط والغاز البحري إلى الواجهة الرسمية، وسط أجواء إيجابية عكستها مراسم التوقيع في السراي الحكومي برعاية رئيس مجلس الوزراء. غير أنّ هذا التطوّر، على أهميته السياسية، لا يُلغي الأسئلة الجوهرية المرتبطة بمضمون الاتفاق، ولا سيّما لناحية الإطار الزمني للاستكشاف، ومدى جدّية الشركات في تسريع الأعمال، وحدود قدرة الدولة اللبنانية على فرض إيقاع واضح لهذا المسار.
وبحسب الباحث في مجال الطاقة مارك أيوب، فإنّ ما جرى أخيرًا يخلق جوًّا إيجابيًا في الإطار العام، لكنّه يفتح في المقابل سلسلةً من الأسئلة الجوهرية في التفاصيل. فالرخصة الممنوحة للبلوك رقم 8 تقوم على مرحلتين استكشافيتين: الأولى تمتدّ على ثلاث سنوات، يُفترض خلالها أن يقوم الكونسورتيوم بإنجاز المسح الزلزالي ثلاثي الأبعاد على مساحةٍ تقارب 1200 كيلومتر مربع. أمّا المرحلة الثانية، ومدّتها سنتان بعد انتهاء السنوات الثلاث، فهي مخصّصة لحفر البئر الاستكشافي واتخاذ القرار النهائي بشأن الخطوات اللاحقة. وبذلك، يكون لبنان أمام فترة استكشافية كاملة تمتدّ لخمس سنوات.
ويشير أيوب إلى أنّ دعوة رئيس الجمهورية إلى بدء “توتال” العمليات في أسرع وقت ممكن تبقى موقفًا سياسيًا أكثر منها التزامًا عمليًا، إذ لا يوجد في بنود الاتفاق ما يُلزم الكونسورتيوم بتسريع وتيرة العمل. وهذا ما يتيح للشركات الثلاث – إيني، توتال، وقطر للطاقة – نظريًا، التريّث لعامين كاملين، ثم تنفيذ المسح الزلزالي في نهاية المرحلة الاستكشافية الأولى، من دون أن تكون قد أخلّت بواجباتها التعاقدية.
وفي هذا السياق، يلفت أيوب إلى الغموض الذي لا يزال يحيط بمصير البلوك رقم 9، حيث إنّ الشركات نفسها كانت قد حصلت على تمديد إضافي لتقرير ما ستقوم به خلال الفترة الاستكشافية الثانية، وسط مخاوف من أن يُترك هذا البلوك معلّقًا، كما حصل سابقًا مع البلوك رقم 4.
ويخلص إلى التأكيد أنّ المسؤولية اليوم تقع على عاتق الحكومة اللبنانية، التي يفترض بها أن تمارس ضغطًا فعليًا على الكونسورتيوم، حتى ضمن المهلة الزمنية الممنوحة له، من أجل إنجاز المسح الزلزالي في أقرب وقت ممكن، وأن تطالبه بتقديم جدول زمني واضح ومُلزم لعملية الاستكشاف، بدل ترك الملف رهينة الانتظار واستنزاف الوقت.
بين البلوك 9 والبلوك 8: هل غرق النفط اللبناني في السياسة قبل أن يخرج من البحر؟! .