لم تنطلِ طويلًا أساليب مصطفى الحسيان، المتقمّص دور الأمير الوهمي “أبو عمر” منذ عام 2017، على النيابة العامة التمييزية. فبعد سنوات من الترقب، قادت التحقيقات التي أجراها المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب، بإشراف النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار، إلى تكوين قرائن جدّية تُدين ضلوع الشيخ خلدون عريمط ومصطفى الحسيان في رسم خطة محكمة للإيقاع بالسياسيين، والتأثير في عدد من الملفات السياسية والانتخابية والخدماتية الحسّاسة.
التحقيقات الأولية لم تتوقف عند السياسيين الذين وقعوا ضحية الأعمال الاحتيالية لشبكة “عريمط – الحسيان” التي احتمت بعباءة “الأمير المزعوم”. بل توسّعت لتشمل مواطنين عاديين كانت لهم علاقات شخصية مباشرة بمصطفى الحسيان، ما عزز قناعة النيابة العامة التمييزية بأن الأخير حاول الاستمرار في ألاعيبه الاحتيالية حتى بعد توقيفه وانكشاف أمره.
ووفق المعلومات، فإن كشف الأمير “أبو عمر” قام به رجل الأعمال أحمد حدارة المقيم خارج لبنان، وكان على تواصل شبه دائم مع “أبو عمر”، قبل أن يدفعه الشك، ومن باب المصادفة، إلى الطلب من أحد أصدقائه الاتصال بمصطفى الحسيان بالتزامن مع تواصله هو مع “أبو عمر”، ويرن الهاتف على مسامعه. المفاجأة كانت صادمة: الحسيان يتواصل مع أبناء المنطقة وأقارب حدارة عبر رقمه اللبناني، فيما يخاطب السياسيين من رقم بريطاني، مقدّمًا نفسه على أنه “أبو عمر” الأمير في الديوان الملكي. وعلى الرغم من أن تحذيرات سابقة كانت قد تحدّثت عن منتحل صفة أمير في لبنان، إلا أنها بقيت في خانة الترقب إلى أن أسقطتها معطيات حدارة في التحقيقات.
وفيما يُرتقب أن تختم النيابة العامة التمييزية التحقيقات اليوم الثلاثاء، بعد الاستماع إلى سرحان بركات، تمهيدًا لإحالة الملف إلى قاضي التحقيق الأول في بيروت للتوسّع فيه، استمع الحجار وصعب أمس إلى إفادات النائبين سجيع عطية وأحمد الخير، إضافة إلى محمد حدارة، قريب رجل الأعمال أحمد حدارة.
ووفق المعلومات، فإن التحقيق مع النائب سجيع عطية تركّز على الاتصال الذي تلقاه النائب محمد سليمان خلال انعقاد تكتل “الاعتدال” للبحث في تسمية رئيس الحكومة، مؤكدًا أنه كرّر أمام المحققين مضمون الإفادة التي سبق أن أدلى بها النائب سليمان.
الأمر نفسه أكّده النائب أحمد الخير، قبل أن يصدر بيانًا فصّل فيه شهادته، مشيرًا إلى أن إفادته جاءت “في ضوء الشهادة التي أدلى بها الزميل النائب محمد سليمان”، مؤكدًا حرصه على مصارحة القاضي الحجار بكل ما لديه من معطيات “بما يخدم مسار التحقيق ويضع الوقائع في سياقها الصحيح أمام الرأي العام”. وأوضح الخير أن “الزميل محمد سليمان تلقى اتصالًا من المدعو أبو عمر، قُدّم لنا على أنه أمير من الديوان الملكي السعودي، وتضمّن توجيهات غير مباشرة بعدم تسمية الرئيس نجيب ميقاتي، على اعتبار أنها صادرة عن الديوان، ما أدى إلى شبه إجماع داخل التكتل على تسمية نواف سلام بدلًا من ميقاتي”. وأضاف أنه لاحقًا تواصل مع السفير وليد البخاري وأطلعه على ما جرى، كما نُقلت التفاصيل إلى الأمير يزيد بن فرحان.
إفادة الخير تؤكد أن “أبو عمر” دخل دائرة الشك لدى المعنيين منذ ما يقارب السنة، قبل أن يكشف أحمد حدارة هويته الحقيقية، ويتم التواصل مع مخابرات الجيش اللبناني وتوقيفه في منزله في وادي خالد قبل نحو شهرين.
غير أن إفادة محمد حدارة، قريب أحمد حدارة، بدت الأكثر حساسية، وربما الأخطر، مقارنة بإفادات النواب. فهي جاءت ضمن سلسلة إفادات هدفت إلى تكوين صورة دقيقة عن شخصية مصطفى الحسيان، الذي حاول الظهور بمظهر الرجل البسيط والساذج. محمد، المكلّف من قبل أحمد حدارة بتقديم مساعدات طبية، كان على تواصل شبه دائم مع الحسيان، يلتقيه وينسّق معه لتقديم المساعدات للمرضى، من دون إدراكه أنه يتواصل مع “أبو عمر”.
ووفق معلومات “نداء الوطن”، شكّلت إفادة محمد دليلًا قاطعًا على حنكة ودهاء مصطفى الحسيان. فدور منتحل صفة الأمير لم يقتصر على توجيه التعليمات للسياسيين عبر الهاتف، بل تعدّاه إلى نشاط ميداني واسع في وادي خالد وعكار، حيث قدّم نفسه مفتاحًا انتخابيًا وخدماتيًا مدعومًا من المملكة العربية السعودية. وكان الحسيان يُنسّق مع محمد حدارة انتخابيًا وخدماتيًا، ويعمد الأخير إلى تقديم المساعدات الاستشفائية التي كان يطلبها الحسيان إلى المرضى.
هكذا، بدأت تتكشف فصول واحدة من أخطر قضايا الاحتيال السياسي، قضيةٌ ركيزتها رجلُ دينٍ معمم، وسط مخاوف جدّية من حصرها بالمنفذ وحده، وإغفال المخطِّطين الحقيقيين ومن يقف وراءهم.
“أبو عمر”: كشف حقيقة الأمير المزعوم .