لا تكمن خطورة ما كُشف في ملف شركة “Beirut Wings” المتخصصة بتدريب الطيارين، في حجم المخالفات التقنية وحدها، بل في طبيعتها المركبة التي تجمع بين خلل تدريبي ممنهج، وتزوير في التوثيق، وتراخٍ رقابي سمح باستمرار هذه الممارسات لسنوات من دون تصحيح جذري. فالتساهل في التدريب، أو التلاعب بالشهادات، أو تغليب المصالح على متطلبات السلامة، لا يؤدّي فقط إلى فقدان الثقة، بل يفتح الباب أمام كوارث محتملة، وتالياً فإن أيّ معالجة لا تنطلق من المحاسبة الشفافة وتنفيذ التوصيات كاملة، ستبقى قاصرة، مهما تغيّرت الأسماء أو تبدلت الإدارات.
بيد أن أخطر ما يرد في المعطيات الإضافية، الذي يكمل ما ورد في تقرير المديرية العامة للطيران المدني، يتمثل في تعيين موظف داخل الشركة لتولي مهام التدريب من دون استيفاء الشروط القانونية أو حيازته أيّ شهادة تدريب معترف بها. فقد عيّنت الإدارة، وفي مقدمها المدير التنفيذي ع.ي، موظفاً يدعى و.ح، وطلبت منه تدريب طلاب طيران، رغم عدم خضوعه لأيّ برنامج تأهيلي رسمي.
ووفق الوقائع، جرى تدريب طلاب على مدى ساعات طيران كبيرة، مع توقيع دفاتر الساعات اليومية (Pilot Logbooks)، علماً بأن هذه الدفاتر لا تُعدّ قانونية ولا تصدق رسمياً إلا إن كان المدرّب مرخصاً من مديرية الطيران المدني. والأخطر أن هذا الشخص حصل لاحقاً، بعد نحو سنتين، على شهادة تدريب من دون أن يكون مارس التدريب بشكل قانوني أو خضع لمسار دراسي نظامي، بل قام بتسجيل ساعات طيران على أنها ساعات تدريب له، فيما كانت في الواقع ساعات تدريب للتلاميذ، وسجلت في دفتره الخاص على أساس أنه “يتدرب”، فيما كان المدير التنفيذي يوقع هذه الساعات. وإلى جانب ذلك، تولى تسيير رحلات ونقل ركاب، مسجلاً ساعات الطيران على أنها ساعات تدريب، إلى أن ثبتت شهادته رسمياً.
ولا تقف المخالفات عند هذا الحد. فوفق المعطيات، عندما تبيّن لـ و.ح أن هذا الملف قد يُكشف، حاول التستر على الفساد والتزوير الحاصلين عبر اللجوء إلى تزوير إضافي، إذ عمد إلى الاستيلاء على عدد من دفاتر ساعات الطيران الخاصة بالطلاب، يقدر بنحو 3 دفاتر، من دون ذكر أرقامها، ومحا اسمه من خانة تسجيل ساعات الطيران، واستبدله باسم آخر هو ع.ي، في محاولة واضحة لإخفاء المخالفات وتضليل الجهات الرقابية. وتشير المعطيات إلى أهمية الحصول على صور عن هذه الدفاتر وإرفاقها بالملف، باعتبارها مستندات معروفة يمكن الاستناد إليها كأدلة دامغة.
وتكشف المعطيات أن عشرات الطلاب، لبنانيين وأجانب، وقعوا ضحية هذا المسار. فعدد المتدرّبين في الشركة يقدّر بنحو 70 إلى 80 طالباً، بينما سُجّل لدى المديرية العامة للطيران المدني عدد كبير من المحاضر، إثر شكاوى تقدم بها تلامذة وجرى توثيقها رسمياً.
هؤلاء الطلاب دفعوا مبالغ ضخمة تراوح بين 60 و100 ألف دولار للطالب الواحد، مقابل تدريب يُفترض أن يفتح لهم أبواب العمل في شركات الطيران. إلا أن التزوير في ساعات الطيران وعدم أهلية بعض المدرّبين جعلا شهاداتهم موضع شك، من دون أن يكون من السهل سحب الرخص منهم، تفادياً لإلحاق ضرر إضافي بهم بعد استنزاف أموالهم.
لهذا السبب، تتجه المعالجة حالياً نحو حلول وسط، تقوم على إعادة إخضاع الطلاب لفحوص تقنية، ومنحهم ساعات تدريب إضافية، وتصحيح الثغرات التي تمس مباشرة بسلامة الطيران، بدل إلغاء الرخص بالكامل.
وما يزيد خطورة المشهد أن هؤلاء المتدربين لا يقودون طائرات صغيرة فحسب، بل طائرات كبيرة، فيما تخوّلهم شهاداتهم، نظرياً، العمل في أكثر من شركة داخل لبنان وخارجه، ما يجعل أيّ خلل في تدريبهم خطراً عابراً للحدود.
هذه الوقائع تتقاطع بوضوح مع ما ورد في تقرير لجنة المديرية العامة للطيران المدني حول التلاعب بساعات الطيران، ووجود فروقات غير مبررة بين دفاتر الطيّارين وسجلات المراقبة الرسمية، فضلاً عن الخلل الإداري، وتجاوز التسلسل الوظيفي، والتدخل في القرارات الفنية، وصولاً إلى عقود تدريب مع جهات غير مرخصة.
وبناءً على ذلك، لا يمكن فصل ما كُشف حديثاً عن الأسئلة الجوهرية التي يطرحها التقرير، إذ كيف استمرت هذه الممارسات منذ تسلم ع. ي إدارة الشركة؟ وكيف جرى تجديد الشهادات مراراً رغم تراكم المخالفات؟ ومن يتحمّل مسؤولية التغاضي أو التقصير؟
ويكتسب قرار وقف الشركة، الذي جاء بعد تدخل وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، أهمية استثنائية، باعتباره أوقف مساراً كان يمكن أن يقود إلى مخاطر جسيمة. ويبرز دور المديرية العامة لأمن الدولة، التي تعاملت مع الملف من زاوية وقائية، وأسهمت في جمع المعطيات ووضعها في مسارها الصحيح.
في المقابل، تثير المعلومات عن محاولات إعادة تعويم الشركة، رغم وضوح التقرير وتوصياته، علامات استفهام جدية حول احترام مبدأ السلامة الجوّية، وحدود استقلالية القرار الرقابي، ودور كل من الإدارة المعنية والهيئات الناظمة، علماً بأن المعلومات التي حصلت عليها “النهار” تشير الى أن مالك الشركة السعودي الجنسية يتابع مجريات التحقيقات يومياً، وطلب من المعنيين عدم إقفال الملف قبل الوصول إلى الحقيقة الكاملة، وعدم التساهل بحق أيّ من المخالفين أو المزوّرين.
فضيحة تدريب الطيّارين في “Beirut Wings”: 80 طيّاراً ضحيّة منظومة تدريب وهمية .