Blog Post

نافذة الشرق | Nafizat Al-Sharq > News > lebanon > تطيير الميكانيزم مطروحٌ بقوة: نحو فرضِ مفاوضاتٍ مدنية مباشرة
image 1762174774.jpg 1

تطيير الميكانيزم مطروحٌ بقوة: نحو فرضِ مفاوضاتٍ مدنية مباشرة

لم يعد خافياً أن المستشارة الأميركية وعضو بعثة واشنطن لدى الأمم المتحدة، مورغان أورتاغوس، خرجت مبدئياً من مشهد «الميكانيزم». ولعله السقوط الأخير بعد سلسلة من التراجعات، بدأت بتخفيض مستوى حضورها من مبعوثة إلى مجرد مستشارة. المتوفر من معلومات، أن الاجتماع المقبل للآلية، والمتوقّع عقده بعد نحو عشرة أيام تقريباً، سيتولى الإشراف عليه السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، في حال لم يحصل أي تعديل في اللحظات الأخيرة.

هذا التحوّل لا يرتبط بما جرى تداوله في واشنطن عن معطيات شخصية أو إعلامية تناولتها الصحافية اليهودية – الأميركية المقربة جداً من الرئيس دونالد ترامب، لورا رومير، سواء في ما خص علاقة أورتاغوس بالمصرفي اللبناني أنطون الصحناوي، أو ما قيل عن «فاتورة مجوهرات» سدّدها الصحناوي كهدايا لأورتاغوس، أو في شأن دعوى الطلاق التي تقدم بها زوجها أمام إحدى المحاكم الفيدرالية، أو حتى ما تخضع له من مساءلات إدارية تحت إشراف الكونغرس. فهذه الملفات، بصرف النظر عن صحتها أو توظيفها، ليست العامل الحاسم في القرار الأميركي.

السبب أعمق وأوضح، ويرتبط بقرار واشنطن الانتقال من إدارة التفاوض بين لبنان وإسرائيل عبر وسطاء وآليات هجينة، إلى رعايته مباشرة وبصورة صريحة، تمهيداً لإطلاق مسار تفاوضي أو منصة تفاوضية واضحة مستقلّة عن أي ترتيب آخر. ومن هنا، يصبح منطقياً أن يُمسك ميشال عيسى بالملف، بوصفه سفيراً يتمتع بقرب استثنائي من الرئيس دونالد ترامب، الذي وضع في خدمته فريقاً كبيراً من الخبراء، وهو يعمل بتفويض سياسي وأمني واسع، يتيح له فتح خط مباشر مع البيت الأبيض متى شاء، من خارج القنوات الدبلوماسية التقليدية.

عملياً، تتحرك واشنطن وتل أبيب وفق سياسة واحدة، وإن بتوزيع أدوار مدروس. ترفع إسرائيل مستوى تمثيلها المدني ضمن التفاوض تحت راية “الميكانيزم”، فتواكبها واشنطن بخطوة مماثلة ولكن بغطاء دبلوماسي. وحين تشدّد واشنطن ضغوطها السياسية والاقتصادية على لبنان، يتولى بنيامين نتنياهو ترجمة ذلك عسكرياً، عبر القصف والتصعيد. وحين تُخفّف واشنطن، تتقدم إسرائيل إلى الواجهة. إنها سياسة «الضغط المتناوب» لإرغام لبنان على تغيير رؤيته في شأن آلية التفاوض بشكل عام.

وعليه يصبح الهدف واضحاً، دفع لبنان بالقوة إلى رفع مستوى تمثيله المدني داخل «الميكانيزم» وفي سياق التفاوض المباشر، لا لتحسين الآلية، بل لاستخدامها جسراً نحو إسقاطها. فالمرحلة التالية، كما تفهمها واشنطن، لا تمر عبر “الميكانيزم” أو إضافة أسماء أو توزيع طوائفي وظائفي على الوزن المعهود لبنانياً، بل عبر إدخال وزير يمتلك خبرة تفاوضية وذو خلفية عميقة في إدارة العلاقات الدولية. وعلى ما يبدو، فالاسم معلوم أميركياً وجرت مناقشته داخلياً، لكنه ينتظر لحظة نضوج سياسي.

في مرحلة لاحقة، يُستكمل الوفد بضم اختصاصيين ودبلوماسيين، ليصبح وفداً مدنياً كاملاً، قادراً على خوض مفاوضات مباشرة، بصيغة قريبة مما هو قائم بين سوريا وإسرائيل. أما مكان التفاوض، فليس محصوراً بالناقورة. باريس أو القاهرة مطروحتان، مع أفضلية مصر التي أبلغت لبنان استعدادها المسبق لاستضافة هذا المسار.

لكن هنا يظهر التصدّع الأميركي – الفرنسي. واشنطن تريد من باريس دور «المضيف التقني»، لا «الشريك السياسي»، ولا تريد لها أي دور رقابي، فيما تسعى فرنسا إلى التموضع كوسيط أقرب إلى الموقف اللبناني. وهو ما انعكس توتراً داخل «الميكانيزم» لا سيما خلال الجلسات الأخيرة، وتزاحماً بين الممثلين العسكريين الفرنسيين والإسرائيليين، وأحياناً الأميركيين. هذا السلوك الفرنسي، من وجهة نظر واشنطن، يخلّ بالتوازن القائم ويعرقل القراءة الأميركية – الإسرائيلية لاتفاق 27 تشرين الثاني 2024 التي تمنح إسرائيل حرّية تصرف.

وعندما تبيّن لواشنطن أن باريس ماضية في لعب دور يتجاوز الحدود المرسومة إلى حد تبني وجهة النظر اللبنانية الرسمية، وصولاً إلى الإصرار على حضور مدني في جلسات التفاوض في الناقورة، اتُّخذ قرار عملي بتجميد التمثيل المدني في الاجتماع الأخير، في خطوة استهدفت مباشرة الممثل الشخصي للرئيس الفرنسي، جان إيف لودريان، ما دفعه لالغاء زيارته إلى بيروت.

في هذا السياق، يُعاد طرح سؤال جوهري: ما هو مصير «الميكانيزم»؟

بوصفه منصة مدنية، انتهى دوره عملياً. لكن الإعلان عن ذلك قد يأخد وقتاً ريثما يتبلور المفهوم الجديد وتنتهي عملية  تسويقه. وحتى ذلك الحين، لا مانع من إستئناف جلسات التفاوض بصيغة مدنية في الناقورة. لكن كما يرشح من معلومات في بيروت، لن تتجاوز الجلسات الإطار الذي ثبّت مؤخراً، أي إبقاء سقف المداولات ضمن دعوات التعاون الإقتصادي التي تطرحها إسرائيل، ما يعني الإبقاء على العناوين الدسمة للمسار البديل. أما كإطار عسكري، فستبقى كآلية مراقبة، مرشحة لأن تحل تدريجياً محل «اليونيفيل». ولا يمكن فصل ذلك عن المقاربة الأميركية – الإسرائيلية الجديدة حيال الأمم المتحدة، والتي تقوم على إخراجها أيضاً من معادلة الإجتماع المدني في الناقورة، حتى قبل اكتمال الانسحاب من الجنوب أواخر العام الجاري.

هذا التوجه، يعتبر لبنان أنه يشكّل إخلالاً فادحاً باتفاق 27 تشرين الثاني 2024، وبالمطلب اللبناني بوجود ضامنين دوليين، ولو بالحد الأدنى. وهو ما يفسّر الاندفاعة اللبنانية المتكررة للتمسك بفكرة إحلال وجود عسكري أوروبي بديلاً عن “اليونيفيل”، حيث تقود فرنسا هذا التوجه الآن تحت رعاية إيطالية – إسبانية، في مواجهة رغبة أميركية واضحة في حصر أي دور أمني أو رقابي ضمن الجنوب ككل بالجيش اللبناني وحده.

قصة التمثيل اللبناني المدني في الميكانيزم

عندما تصاعدت الضغوط على لبنان لرفع مستوى تمثيله المدني في التفاوض غير المباشر مع الإسرائيليين، وقع خيار رئاسة الجمهورية على كبير الباحثين في معهد واشنطن بول سالم، الذي زار بيروت مرات عدة، والتقى الرئيس جوزاف عون. لكنه أُقصي سريعاً، ليحل مكانه السفير السابق سيمون كرم، بفعل حسابات محيطة بفريق الرئيس، وتأثير بعض أرباب الفريق اليميني المسيحي القديم. الأميركيون لم يعترضوا، لأن الإسم لم يكن أولوية. ما يهمهم هو المبدأ، الانتقال إلى الصيغة المدنية.

لاحقاً، تغيّر الموقف الأميركي. لم تعد واشنطن تكتفي بأي شخصية، بل باتت تطالب بتمثيل رسمي عبر شخصية لديها منصب حالي، من داخل الحكومة أو السلك الدبلوماسي. ومن هنا بدأت الضغوط لتنقيح الوفد اللبناني، بعد أن سبقتها إسرائيل بخطوة مماثلة.

من هنا، فإن انعقاد «الميكانيزم» قبل يومين بصيغة عسكرية فقط، مع استبعاد المدنيين، يأتي أساساً لإيصال رسالة واضحة إلى لبنان بضرورة «تطعيم» وفده، من دون أن يعني ذلك انتهاء التمثيل المدني، إلى حينه. 

تطيير الميكانيزم مطروحٌ بقوة: نحو فرضِ مفاوضاتٍ مدنية مباشرة .

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *