كان يُفترض أن تكون بداية 2026 موعداً لانفراج معيّن في لبنان، يبدأ جنوب الليطاني ويمتد بعد أشهر قليلة إلى شماله. وعلى هذا الأساس، كان يمكن للحكومة أن تتوقع تفكيك الحصار الدولي والعربي المضروب على لبنان، ولو جزئياً. ولكن، ما حصل هو العكس. فلبنان دخل رسمياً في نفق حربٍ لا سقف زمنياً لها ولا ضوابط.
مرّة جديدة، أهدر اللبنانيون الفرصة، وجعلوا أنفسهم وقوداً في معركة كبرى، ستطول حتى نهاية المواجهة القاتلة الجارية حالياً بوتيرة منضبطة، والتي يُخشى انفجارها، مع طهران، ولا أحد يملك توقيت بداية هذا الانفجار أو نهايته.
في اليومين الأخيرين، حاولت الحكومة اللبنانية و«حزب الله» تجربة لعبة خطرة، وهي المناورة بالكلام، لعلّها تمرّر المرحلة بإطلاق وعود جديدة، فسارعت إلى القول: انتهينا تماماً من السلاح جنوب الليطاني، وها نحن نستعد لنزعه بين النهرين، الليطاني والأولي.
تتصرّف الحكومة وكأنّ إسرائيل هي دولة مغفلة لا تعرف شيئاً في لبنان، ويمكن خداعها بتوزيع المعلومات عن إخلاء جنوب الليطاني من السلاح والتعهد بتكرار العملية في شماله. لكن إسرائيل، في الواقع، تمتلك خزان معلومات عن كل شيء في جنوب النهر وشماله وسائر المناطق. وقد أثبتت ذلك في الحرب ولا تزال كل يوم، فيما الدولة اللبنانية هي الزوج المخدوع فعلاً. ولذلك، لا تستطيع الدولة أن تبلغ إسرائيل خلو جنوب الليطاني من السلاح، إذا لم تحقق ذلك فعلاً. وللتذكير، الجيش اللبناني نفسه ما زال حتى أيام قليلة مضت يكشف عن مخازن وأنفاق، وقد تمّ تصوير أحدها بين كفرا وصديقين قبل أيام، وهو بطول مئات الأمتار كما قيل. وهذا الكشف لا يتناسب إطلاقاً مع الإعلان عن النزع التام للسلاح. وكذلك، يطلب الإسرائيليون دائماً من الجيش اللبناني إزالة مخازن أو تعطيل أنفاق في المنطقة، بناءً على معلومات لديهم، كما أنّهم يستهدفون في شكل مستمر أشخاصاً يقولون إنّهم كوادر في «الحزب». وإذا كانت المعلومات التي يزود الإسرائيليون الجيش اللبناني بها مغلوطة، فيجب على لبنان أن يصدر بيانات النفي والإيضاح منعاً لتماديهم في توجيه الضربات. وأما السكوت فلا يعني سوى الموافقة.
لقد أعلنت إسرائيل اليوم أنّ على لبنان أن يستكمل نزع السلاح من جنوب الليطاني قبل البدء بشماله. لكن الحكومة تصرّفت بنحو معاكس، فسارعت إلى المرحلة الثانية، مع تأجيل انطلاقها نحو شهرين بداعي التحضير والدرس. لكن الحكومة لم تشرح كيف ستقنع «حزب الله» بالتخلّي عن السلاح، فيما هو يعلن صراحة أنّ ما قدّمه في جنوب الليطاني لن يقدّمه في شماله. وهذا يعني ما يأتي: المرحلة الثانية ماتت قبل أن تولد، فيما تبدو المرحلة الأولى في وضعية التنفس الاصطناعي. وفي المرحلتين، لن تعترف إسرائيل بأي إنجاز للحكومة اللبنانية، وستواصل التصعيد بالنار.
أكثر من ذلك، ثمة سؤالان لا بدّ من الإجابة عنهما:
الأول هو: مَن يضمن أنّ إسرائيل ستعترف بخلو الجنوب كله، من الحدود إلى خط صيدا- جزين- البقاع الغربي من السلاح، حتى ولو تمّ إخلاؤه فعلاً وبالكامل، ما دامت هي وحدها تمتلك زمام القوة المبادرة وتتمتع بدعم الولايات المتحدة شبه المطلق؟
الثاني هو: كيف يكسب لبنان ثقة الولايات المتحدة، لتتخلّى عن هذا الانحياز إلى إسرائيل، إذا كان هو نفسه يناور في مسألة السلاح ويماطل ويمرّر الوقت، خلافاً لما تطلب منه الولايات المتحدة؟
في الواقع، إنّ إدارة دونالد ترامب لا ترى في لبنان دولة يجب إنقاذها بأي ثمن، بل ساحة يجب أولاً تأهيلها للإنقاذ. ولذلك، هي تتبنّى الرواية الإسرائيلية بكاملها، معتبرة أنّ مناورات «حزب الله» وعجز الحكومة اللبنانية يمنحان الشرعية لإسرائيل كي تمضي في عملياتها العسكرية حتى إشعار آخر.
ستستفيد إسرائيل اليوم من «مأزق المراحل بين النهرين» الذي يتخبّط فيه لبنان، لتكرّس حال الحرب الشاملة وتضع لبنان تحت رحمة مطرقتها الجوية. والمعضلة الكبرى التي يواجهها لبنان هي أنّ مفتاح الحل الحقيقي موجود فقط في إيران. ولذلك، لا نهاية للحرب هنا إلّا بتغييرات إقليمية جذرية، ربما بالضربة العسكرية التي يتوقع البعض توجيهها إلى النظام الإيراني لتغييره أو تغيير نهجه، أو حتى لإبرام تسوية معه. واحتمال الحسم في إيران بات راجحاً بعد سقوط نظام مادورو في فنزويلا.
إذا حُسم ملف إيران، بأي شكل كان، يمكن أن ينعكس ذلك تسوية في لبنان أيضاً. ولكن، هل الحسم قريب فعلاً، هل ستُضرب إيران، ومتى؟ وهل التسوية السياسية ممكنة؟ لا أحد يمتلك الإجابة. ولذلك، عملياً، سيبقى لبنان غارقاً في النار الإسرائيلية ما دام الأصيل في طهران يناور بالوكيل في بيروت.
وبينما ينتظر الجميع حصول معجزة الحل أو الزلزال في الإقليم، سينزف لبنان مزيداً من الفشل الاقتصادي والحصار المالي، فيما إعادة الإعمار فتبقى مجرد سراب. وستجد الحكومة اللبنانية نفسها في حال شلل بعجزها المثلث عن إقناع «الحزب» بالتسليم، وعن حماية اللبنانيين من النار الإسرائيلية، وعن مواجهة المجتمع الدولي بغير العبارات المعسولة. وأما الرهان على تسوية سياسية داخلية، يُقال إنّ رئيس مجلس النواب نبيه بري قد يرعاها، فيبقى مؤجّلاً إلى ما بعد الحسم الإقليمي الكبير.
على الأرجح، ستفتح إسرائيل أبواب الجحيم على لبنان ليكون مختبراً للنار، وورقة تفاوض في الصراع الإقليمي والدولي. وسيدخل في «ستاتيكو» التدمير الممنهج، في انتظار التغييرات الخارجية التي قد تأتي غداً، وقد لا تأتي أبداً.
لبنان يدخل «ستاتيكو» التدمير الممنهج .