كل الأنظار تتجه نحو إيران. يبدو مصير المنطقة وخصوصاً لبنان ينتظر ما ستؤول إليه الأوضاع هناك على وقع اتساع رقعة الاحتجاجات والتظاهرات في مقابل الموقف ذي السقف المرتفع الذي أطلقه مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية موجهاً كلامه للرئيس الأميركي دونالد ترامب ومهدداً إياه بالسقوط. يأتي ذلك بعد الدخول الأميركي المباشر على خط التطورات الإيرانية، والتهديدات المتكررة التي أطلقها ترامب ضد السلطات الإيرانية بالتدخل في حال استخدام العنف ضد المتظاهرين. حالة الترقب والانتظار تشمل جميع القوى الإقليمية والدولية، فليس من مصلحة دول المنطقة ان تتطور الأحداث في إيران لتهدد الأمن والاستقرار في المنطقة. في طهران تتوزع الاتجاهات بين مؤسسات النظام وشخصياته، بعض المعلومات تفيد بوجود قنوات مفتوحة مع الأميركيين بحثاً عن صيغ لتفادي أي صدام دموي أو حرب داخلية أو فوضى. ربما يفكر الأميركيون بصيغة مشابهة لصيغة فنزويلا أي التنسيق مع جهات داخل بنية النظام لأجل توفير ظروف المرحلة الانتقالية، في حال فشلت كل المحاولات للوصول إلى اتفاق شامل. الشرط الأميركي واضح وهو إما تغيير سياسي كبير في بنية النظام ووجهته وشخصياته، أو الوصول إلى مرحلة تغيير النظام.
اعتبارات الأمن الخليجي
في إطار التواصل الأميركي الإيراني، تطرح أفكار كثيرة عن كيفية تجديد المفاوضات وتسريع وتيرتها، دول خليجية عديدة على رأسها السعودية، قطر، وسلطنة عمان تفعل من حركتها الديبلوماسية في سبيل تفادي ما هو أسوأ، والعمل على إعادة إحياء المفاوضات حول كل النقاط العالقة وخصوصاً البرنامج النووي والصواريخ البالستية، وسط مساع لعقد جولة تفاوض مباشر بين الأميركيين والإيرانيين في إحدى العواصم الخليجية وربما تكون سلطنة عمان أو أي دولة أخرى كالسعودية أو قطر. تنظر دول الخليج إلى ما يجري في إيران بوصفه جزءاً من أمنها القومي لأن تصاعد الأحداث أو وصول إيران إلى شفير الفوضى سيؤدي إلى اهتزاز الاستقرار في الخليج ككل وسيؤثر على كل الظروف السياسية، الأمنية، والاقتصادية.
منظومة ثلاثية
الأهم بالنسبة لدول الخليج أن تغيير الوقائع والموازين ككل في إيران، من دون ترتيبات واضحة أو شراكة مع الإيرانيين، سيكون ربحاً صافياً لإسرائيل التي ستصبح هي السيدة والمتحكمة في مسارات المنطقة، بينما هناك أفكار خليجية وعربية عديدة تشير إلى أهمية زيادة التنسيق الإيراني، العربي التركي لأجل تشكيل نوع من منظومة إقليمية متكاملة تحد من التغول الإسرائيلي وتمنع نتنياهو من تحقيق أحلامه في بناء “إسرائيل الكبرى أو العظمى”.
بزشكيان وعراقجي
تعرض الدول الخليجية دور الوساطة على واشنطن التي بحسب المعلومات لا تمانع وتعتبر أنه يجب التفاوض سريعاً مع الاستعداد لتقديم التنازلات المطلوبة، يفضل الأميركيون ان يكون الجانب المفاوض هو الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وفريق عمله وكذلك وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي وصل إلى بيروت ويمكن أن ينتقل منها إلى أي عاصمة أخرى في المنطقة في حال حصل تقدم على خط التفاوض. في المقابل، فإن الإيرانيين لديهم شكوك كبيرة في طريقة تصرف الأميركيين ويعتبرون أن لا ثقة لديهم بالتفاوض مع واشنطن، خشية أن تكون أميركا ساعية إلى تسجيل مفاجآت تتعلق بالواقع الإيراني، كما هناك تحسّب لما يمكن أن تقوم به إسرائيل، ففي إيران هناك خشية من لجوء إسرائيل إلى تنفيذ ضربات عسكرية قوية بالتزامن مع تصاعد وتيرة التظاهرات لأجل تسجيل انهيارات في بنية النظام.
شبه انقلاب
منذ العملية التي نفذها الأميركيون في فنزويلا أصبح لديهم قدرة أكبر على تطويق إيران ومواردها النفطية والمالية، وبذلك هم أحكموا الطوق عليها لدفعها إلى تقديم التنازلات المطلوبة. وهذه التنازلات تعني ضمناً تغيير وجهة النظام ككل سياسياً وعقائدياً والاتجاه نحو الاتفاق الشامل مع واشنطن وفق شروطها مقابل بعض الإغراءات المتعلقة بالإفراج عن أرصدة مالية مجمدة وإعادة السعي لتحسين الوضع الاقتصادي. أما في حال بقي الأفق مسدوداً، ولم يتحقق أي تقدم على مستوى فإن الأميركييون سيدرسون سيناريوهات كثيرة أبرزها التعاون مع شخصيات من الداخل لأجل القيام بتحرك يشبه الانقلاب أو التوافق الداخلي على تسليم دفة الحكم إلى شخصيات تكون مقبولة من قبل الأميركيين.
لبنان وفلسفة “كسب الوقت”
لا يمكن فصل لبنان عمّا يجري في إيران، فالدولة اللبنانية تترقب، وفي قناعتها أن هناك توجهات عديدة في حزب الله، بين من يقتنع بأنه قد حان وقت التسوية الفعلية وإيجاد مخرج لائق لملف التخلي عن السلاح وحصره بيد الدولة مقابل الدخول في حل سياسي شامل، وبين آخرين يفضلون انتظار ما ستؤول إليه تطورات الوضع الإيراني وعلى مستوى المنطقة ككل. في هذا السياق، لا يمكن وضع قرار الحكومة اللبنانية إلا في خانة كسب الوقت بانتظار التطورات التي يعتبر مسؤولون لبنانيون أنها لن تتأخر حتى تظهر وتتبلور. فالمهلة التي حاول لبنان أن يكسبها من الآن وحتى شهر شباط ستكون كافية لتوضيح مسار الأمور، وسيكون لها انعكاس مباشر على الوقائع والتوازنات. وربما تكون كفيلة بإقناع حزب الله بالدخول في مسار جديد. هذا المسار كان قد بدأ بسلسلة تحركات ولقاءات عقدها الحزب مع جهات داخلية وخارجية عبر زيارات أجريت إلى الخارج للبحث في تسوية سياسية شاملة. ولا ينفصل عن ذلك، التحرك الديبلوماسي الذي ينتظره لبنان في الفترة المقبلة لموفدين من فرنسا، السعودية وقطر للبحث عن صيغة حل سياسي شامل. في السياق، تلقى حزب الله رسائل وإشارات عديدة حول التفكير جدياً بكفية الدخول إلى هذه التسوية انطلاقاً من مبدأ حصر السلاح بيد الدولة.
واشنطن تغريها تجربة فنزويلا في طهران: حضانةٌ خليجية للتسوية؟ .