لم يكن انفراط عقد “تكتل الاعتدال الوطني” حدثا مفاجئا بقدر ما بدا لحظة انكشاف سياسي لما تراكم بصمت منذ أشهر داخل جسم هش بطبيعته، يقوم على توازنات ظرفية أكثر مما يقوم على مشروع سياسي جامع. وقد جاءت قضية “أبو عمر” لا لتصنع الأزمة بل لتزيح الغطاء عنها وتحوّل التصدعات المكتومة إلى انشقاقات علنية وتدفع التكتل إلى امتحان وجودي عشية الاستحقاق النيابي.
من يتابع مسار التكتل منذ ولادته، يدرك أنه قام على تقاطع مصالح انتخابية أكثر منه على وحدة رؤية. نوابه الآتون من بيئات مختلفة ومن حسابات محلية متناقضة أحياناً حافظوا على تماسكهم عندما وفر لهم التكتل مظلة تفاوضية في لحظة سياسية رمادية، ولكن مع اقتراب الانتخابات بدأ كل نائب يعود إلى قاعدته ويعيد ترتيب تحالفاته وفق ميزان الربح والخسارة في دائرته، فضعفت الحاجة إلى الإطار الجامع وبات التكتل عبئا على بعض أعضائه بدل أن يكون رافعة لهم.
في العمق، لم يكن الصراع داخل “تكتل الاعتدال” تقنيا ولا أخلاقيا، بل بدا تمثيليا. كان صراعاً على من يحتكر موقع الوسط السني بعد تراجع الدور الجامع للرئيس نجيب ميقاتي، وعلى من يملأ الفراغ الذي تركه غياب مرجعية سنية موحدة قادرة على فرض الإيقاع السياسي.
التكتل نشأ أصلاً بوصفه محاولة لتعويض هذا الفراغ، لكنه مع الوقت تحول إلى ساحة تنافس داخلي على تمثيل هذا الفراغ نفسه، ففقد وظيفته قبل أن يفقد تماسكه.
في هذا السياق جاءت قضية “أبو عمر” لتشكل لحظة تفجير رمزي. ولم يكن بيان النائب أحمد الخير مجرد توضيح لما جرى في كواليس تسمية رئيس الحكومة، بل جاء كسرا لقاعدة الصمت التي كانت تضبط الخلافات الداخلية، حين كشف الخير أن اتصال الأمير المزعوم قلب اتجاه التكتل من دعم نجيب ميقاتي إلى تسمية نواف سلام، وحين أقر ضمنا بأن عددا من النواب انساقوا خلف هذا الاتصال من دون تحقق ولا مساءلة. لم يفضح الواقعة فحسب، بل فضح هشاشة القرار داخل التكتل وسهولة اختراقه في غياب أي مرجعية سياسية واضحة تضبط خياراته.
عند هذه النقطة بدأت الأزمة تأخذ طابعاً بنيوياً. لم يعد الخلاف على خيار سياسي بل على صورة التكتل وصدقيته أمام الرأي العام. بعض النواب رأوا في بيان الخير حماية للذات عبر نقل المسؤولية إلى العلن، فيما رآه آخرون تورطا جماعيا غير مبرر ومزايدة إعلامية خرقت التفاهم الضمني على عدم إخراج الخلافات من الغرف المغلقة. هنا تحديداً انتقل التكتل من مرحلة التصدع إلى التفكك.
انسحاب النائبين وليد البعريني وأحمد رستم لم يكن رد فعل آنيا على البيان أو على فضيحة “أبو عمر”، بل ترجمة لمسار كان قد بدأ قبل ذلك. البعريني تحديداً كان قد أجرى قبل أشهر إعادة تموضع انتخابي في عكار بعدما تبين له أنه بات خارج الحسابات التنظيمية للائحة التي يعمل على بلورتها نواب يشكلون الرافعة الأساسية للأصوات في التكتل، وفي مقدمهم محمد سليمان وهادي حبيش. وجد في اللحظة المتوترة التي أحدثها بيان الخير فرصة سياسية مناسبة لتحويل خروجه إلى موقف مبدئي معلن، فيما كانت الوقائع تشير إلى أن قرار الانسحاب كان عملياً محسوما سلفاً.
أما رستم فجاء انسحابه أقل ضجيجا، بمثابة تقديم أوراق انتخابية لدى البعريني، بعدما تأكد أيضا أن سليمان وحبيش يتجهان إلى التحالف مع شخصية علوية غيره.
في المقابل، يؤكد النائب عبد العزيز الصمد لـ”النهار” أن فتورا حل بين أعضاء التكتل منذ أشهر، وخصوصا في فترة انتخاب رئيس الجمهورية، بحيث ظهرت تباينات جدية بين الأعضاء، انتقلت بعدها إلى عدد من المحطات، منها الخلاف على بعض مشاريع القوانين، وبالتالي الإشكالية ليست وليدة اللحظة.
وعما أُشيع عن تأثير حادثة “أبو عمر” على اختيار الرئيس سلام، يجيب الصمد بأن هذا الامر عارٍ من الصحة، كاشفا أن خياره كان لمصلحة سلام قبل ثلاثة أيام من الاجتماع، وهو أبلغه قبل حضوره الاجتماع.
أما انتخابياً، فإن تفكك التكتل لا يعني فقط خروج نائبين منه، بل يعني عملياً سقوط فكرة اللائحة العابرة للمناطق لمصلحة العودة إلى اللوائح المناطقية البحتة.
في عكار كما في طرابلس والمنية والضنية، ستتقدم التحالفات المحلية الضيقة على أي خطاب جامع. وهو ما بدأ بالظهور بعدما أعلن البعريني تحالفه مع جان موسى، أحد المرشحين للمقعد الأرثوذكسي، ما أغضب سجيع عطيه، الذي بدوره التجأ إلى محمد سليمان الذي يشكل لائحة بالتحالف مع هادي حبيش وبالتواصل مع “القوات اللبنانية”، الأمر الذي يقلب المشهد الانتخابي برمته.
بهذا المعنى، لا يعبّر سقوط تكتل الاعتدال عن أزمة داخلية في مجموعة نواب بقدر ما يعكس نهاية مرحلة كاملة من السياسة الرمادية التي قامت بعد 2019 على شعارات عريضة بلا أدوات تنفيذ. ما يسقط اليوم ليس تكتلاً، بل فكرة جمع تناقضات محلية داخل إطار وطني واحد من دون مشروع ولا قيادة ولا مرجعية.
هل فجّر “أبو عمر” تكتل “الاعتدال الوطني” أم كشف ما كان يتآكل بصمت؟ .