Category: مقالاتنا

  • خاص- رسول الفرصة الأخيرة الضائعة

    خاص- رسول الفرصة الأخيرة الضائعة

    بعد أيام على زيارة البابا لاوون الرابع عشر الى لبنان، لم يعد التوصيف هو المهم. لم يعد مهما ما اذا كانت الزيارة تاريخية أم ظرفية عابرة مرتبطة بمهمة محددة. لم يعد مهمًا ما اذا كانت الزيارة سياسية أم رعوية بهدف إعطاء جرعة دعم لمسيحيي لبنان والشرق في وضع هو الأصعب منذ عقود. كل هذه التوصيفات لم تعد مهمة، بعدما سارع “حزب الله” إلى إجهاض مبادرة رسول السلام الأخير الذي حاول إنزال الحزب، ومعه لبنان، عن شجرة الموت والخراب والدمار التي تسلقها مرغمًا أو بإرادته.

    بعد المحاولات الأميركية والسعودية والمصرية، جاء رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم الى لبنان ليقول لـ”حزب الله” إن السلاح لا يصنع سلامًا بل الحوار والتفاوض هو الذي يوصل الى هذا الهدف، وليؤكد له ان مسار السلام في المنطقة قد انطلق ولا أحد قادر على إيقافه، مكررًا عشرات المرات عبارة السلام في الأيام الثلاثة التي أمضاها في ربوع لبنان.

    في المقابل، رد “حزب الله”، قبل حلول ذكرى الأسبوع على المبادرة البابوية التي تبيّن أنها ولدت ميتة، فأكد بلسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم تمسّك الحزب بالسلاح، متهمًا في الوقت نفسه خصومه المسيحيين في الداخل باستهداف زيارة البابا الى لبنان!!

    والغريب في الأمر، أنه وبالرغم من مسارعة الحزب الى إجهاض مفاعيل الزيارة، استمر توافد المبعوثين الى لبنان، فكانت زيارة المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس الملتبسة، ثم وفد مجلس الأمن الدولي، وبعده زيارة المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان بعد طول غياب، وكأن الجميع لم يستوعب بعد (أو أنه لا يريد ذلك) أن خليفة مار بطرس، بابا السلام، كان رسول السلام الحقيقي الأخير الى لبنان، وأن كل ما ومن سيعقبه لن يكون قادرًا على تحقيق ما لم يحققه الكرسي الرسولي بعلاقاته الدينية والسياسية والإنسانية مع المجتمع الدولي.

    لذلك، فقد أخطأ من اعتقد أن زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر للبنان هي زيارة كنسية رعوية حصراً، كما أخطأً من اعتبرها مجرد دعم معنوي لوطن الرسالة والعيش المشترك. فزيارة بابا السلام كانت المحاولة الأخيرة لتجنيب لبنان حربًا مدمّرة ومسعى لإلحاق بلاد الأرز طوعًا بمسار السلام الذي لن يكون مسموحًا لأحد أن يوقفه.

    وبعد كلمات عدة أكد فيها على ضرورة تحقيق السلام، كان لافتًا جدًا إعلان قداسة البابا على متن الطائرة في طريق عودته الى روما ان لقاءات عدة عُقدت مع بعض القوى السياسية اللبنانية بعيداً من الاضواء، موضحًا أن “الكنيسة قدّمت اقتراحًا يدعو الحزب إلى ترك السلاح والسعي نحو الحوار”، مضيفًا أن “اللقاءات السياسية تركزت على تهدئة النزاعات الداخلية والإقليمية”. وأكّد عزمه على “الاستمرار في مساعي إقناع مختلف الأطراف اللبنانية بالتخلي عن السلاح والعنف، والانخراط في حوار بنّاء يحقق مصلحة لبنان وشعبه”.

    ولكن، يبقى مستغربًا أن الفاتيكان، وكل الدول الداعمة للسلام في لبنان، لم تستوعب الى الآن رسال “حزب الله” وإن كانت شديدة الوضوح: يا سعاة الخير، لقد ضللتم الطريق، لأن من يريد السلام في لبنان عليه أولًا المرور بإيران. فهي التي أنشأت فصائل المقاومة ودعمتها وسلحتها حتى كانت عملية “طوفان الأقصى” و”حرب الإسناد” وما أعقبهما من ويلات على غزة ولبنان. لذلك على من اتخذ قرار بدء الحرب أن يقرر إنهاءها، ومن أعطى السلاح لأذرعه في المنطقة وحده القادر على إعطاء الأمر بتسليمه.

    هذا في الشق السياسي. أما في الشق الرعوي من زيارة البابا فقد سجّل امتعاض سياسي وشعبي عارم في الأوساط المسيحية، وإن ظل مكبوتًا احترامًا لمقام الزائر الكبير ومكانته. فقد أنتجت الزيارة على المستوى المسيحي مفاعيل معاكسة لأهدافها، بحيث شعرت هذه الأوساط بإحباط كبير لعدم اهتمام قداسة البابا بالاطلاع عن كثب على أوضاع المسيحيين في لبنان، بحيث أنه لم يلتق السياسيين المسيحيين ولا ممثلي المجتمع المدني والهيئات والجمعيات المسيحية، لمعرفة حقيقة معاناة المسيحيين على الأرض وليس وفقًا للتقارير التي تصله من المرجعيات الدينية فقط.

    هل اطلع قداسة البابا على أرقام هجرة الشباب المسيحي، معطوفة على تراجع ارقام الزيجات والولادات بسبب أزمة السكن، وما يؤثر ذلك على تغيير الوضع الديموغرافي في لبنان؟

    هل اطلع قداسته من لجان الأهل ومكاتب الطلاب في الجامعات وأولياء الأمور على الأرقام الفلكية للأقساط، وكيفية تسديد هذه الأقساط لأبنائهم، معطوفة على أرقام مبيعات الأراضي من قبل المسيحيين بهدف التعليم والطبابة، وتأثير هذا الأمر على الوضع الجغرافي في البلد؟

    هل اطلع قداسته من المعنيين على عدد المسيحيين الذين لا يملكون أي نوع من التأمين الصحي، وعلى تراجع عدد الطلاب المسيحيين في الجامعات الكاثوليكية والمرضى في المستشفيات الكاثوليكية، لمصلحة طلاب ومرضى غير مسيحيين تؤمن لهم طوائفهم وأحزابهم أقساطهم المدرسية والجامعية ونفقات علاجهم؟

    الشعب المسيحي يا قداسة البابا متجذّر في هذه الأرض ولن يغادرها مهما حصل، والتاريخ الحديث والقديم أثبت ذلك. لكن المسيحي، كغيره من المكوّنات اللبنانية، تعب من الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي يرزح تحتها البلد، وهو بحاجة لبعض الدعم ليستمر في الصمود، والكنيسة عبر مؤسساتها، إن أرادت، قادرة على ذلك.

    ثمة من سيقول ان هذه الامور من واجبات الدولة. صحيح. ولكن في ظل تراجع قدرة الدولة التي ألغتها الدويلة لأكثر من ثلاثة عقود، هل يقف الاكليروس وخلفه الفاتيكان متفرجا على هجرة من تبقى من مسيحيي هذا الشرق؟

    انتهت زيارة الحبر الأعظم الى لبنان بسرعة، وكذلك مفاعيلها التي لم يبقَ منها سوى بعض الزفت على الطرقات.

     

     

    خاص- رسول الفرصة الأخيرة الضائعة .

  • المفاوضات تمهّد الطريق للتدخّل الدولي المباشر

    المفاوضات تمهّد الطريق للتدخّل الدولي المباشر

    فشلت الدولة اللبنانية بعد عام على اتّفاق وقف النار مع إسرائيل، في تنفيذ ما تعهّدت به من سحب سلاح “حزب الله”. حتّى أنّها أعلنت تقريباً أنّ المهمّة تنتهي عند حدود نهر الليطاني، فيما السلاح شماله سيخضع لما سمّي “عملية احتواء”.

    لذا، ارتفعت التهديدات الإسرائيلية من جديد بشنّ حرب واسعة أو ضربات كبيرة على لبنان، خصوصاً أن تقارير إسرائيلية، مدعّمة بتقارير أميركية، بدأت تتحدّث عن عودة “الحزب” إلى التسلّح والحصول على التمويل. وصارت كلّ الأجواء محضّرة لضربة إسرائيلية قرابة نهاية العام، وهي المهلة التي أعطتها واشنطن للبنان لإنهاء ملفّ السلاح.

    ولكن، يبدو أنّه في الوقت الذي كانت فيه طبول الحرب تُقرع، كانت الاتّصالات الحثيثة جارية بقيادة الولايات المتّحدة، وبضغط دول إقليمية فاعلة، من أجل إدخال الطرفين اللبناني والإسرائيلي في مفاوضات تتخطّى الإطار العسكري، إلى إطار أكثر شمولاً.

    وكان رئيس المجلس نبيه برّي في جوّ هذه الاتّصالات. لا بل كان نقطة الارتكاز التي تعوّل عليها الإدارة الأميركية، بدفع سعودي مباشر، كي يتلقّف المبادرة إلى التفاوض، التي سبق لرئيس الجمهورية جوزاف عون أن أعلن مرّات عدّة استعداد لبنان للدخول فيها.

    ويشار إلى أنّ برّي كان أرسل معاونه النائب علي حسن خليل إلى إيران، في محاولة لإقناع المسؤولين الإيرانيين بتجنيب لبنان حرباً جديدة. لكن يبدو أنّه لم يكن هناك تجاوب مع هذا الطلب.

    واليوم، مع إعلان لبنان المفاجئ أنّه سيتمثّل في لجنة الميكانيزم بمدني، هو السفير السابق سيمون كرم، وعقد الاجتماع الأول بحضوره وحضور ممثّل مدني إسرائيلي، بدا أنّ برّي، على خلاف مواقف “الحزب”، يبارك هذا التطوّر الجديد في آلية التفاوض. وقد أعلن رئيس الجمهورية أنّ القرار اتّخذ بالتشاور مع رئيس المجلس، وطبعاً مع رئيس الحكومة نوّاف سلام.

    إذاً، تفيد الأجواء المحيطة ببرّي إلى الموافقة التامّة على التفاوض السياسي، وعلى اسم السفير كرم. فقد قرأ رئيس المجلس جيّداً الضغوط الأميركية والتهديدات الإسرائيلية. وعرف أن ليس هناك نيّة في إيران، ولا إرادة، لمساعدة لبنان في وجه الضربة الإسرائيلية المنتظرة. وهو قرأ أيضاً توجّهات المرجعية الشيعية في النجف العلامة علي السيستاني، الذي بعث برسالة إلى إيران، يحذّر فيها من تعرّض الشيعة في لبنان للحرب مرّة أخرى، وما قد يترتّب عليها من تهجير وتدهور أمني واجتماعي. وفي كلّ حال، لم يعد ممكناً لبرّي الوقوف في وجه الضغط الأميركي الكبير، وكلّ النصائح التي وصلت إلى لبنان، عبر مسؤولين دوليين وعرب، كان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي آخرهم، أفادت بأن التهديد بالحرب حقيقي، وأنّ أيّ ضربة جديدة ستكون أكثر قساوة، وربّما تطال مرافق للدولة اللبنانية، وأهدافاً لم تكن واردة سابقاً.

    أمّا “الحزب”، وفي انتظار موقف أمينه العام نعيم قاسم الجمعة، فقد تحدّث عن “تنازلات بلا مقابل” تقدّمها الدولة، منتقداً تسمية سيمون كرم بالذات. ولكن “الحزب” نفسه سبق ووافق على التفاوض في عهد حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وتمّ الاتّفاق حينها على الترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل.

    لذلك، لا يُستبعد أن يوافق “الحزب” في شكل ضمني على التفاوض. وهو ربّما يعتقد أنّ في إمكانه تمرير المزيد من الوقت في المفاوضات، وتأخير أيّ حرب محتملة. ومن الطبيعي أن يرفع سقف شروطه. لكنّ إسرائيل في المقابل لن ترضى بأيّ تنازل، وسيكون من أوّل شروطها نزع سلاح “الحزب” في كلّ لبنان. وهي في الوقت نفسه لن توقف الضربات الحالية التي تقوم بها، كما تقول، من أجل منع “الحزب” من إعادة بناء نفسه والتسلّح، سواء من استهداف بنى تحتية أو بنى للإعمار أو الاغتيالات.

    وثمّة من يرى أنّ إجراءات ستستهدف إيران بالتوازي. ونشير هنا إلى ما أورده موقع “العربية”، من أن الولايات المتّحدة نشرت طائرات مسيّرة في المنطقة، قادرة على ردع أيّ ردّ إيراني. فهل يشمل هذا الردع منع إيران من التدخّل في لبنان وعرقلة موضوع سحب السلاح؟ وهل تكون هذه الإجراءات كافية، في الوقت الذي تشير فيه معلومات إلى أنّ التحضير للتفاوض مع طهران قد نضُج؟

    في أيّ حال، ها هي تجربة غزّة حاضرة، حيث ينصّ الاتّفاق في مرحلته الثانية على دخول قوّة دولية إلى القطاع تتولّى الأمن، وتشرف على نزع السلاح. فهل يكون الحل في التدخّل الدولي العسكري المباشر في لبنان لتنفيذ مهمّة سحب السلاح، حيث فشل الجيش اللبناني في ذلك؟

    المفاوضات تمهّد الطريق للتدخّل الدولي المباشر .

  • خاص- الى البابا لاوون رسالة: بلدنا يودع شبابه كل يوم كشهداء بلا نعوش

    خاص- الى البابا لاوون رسالة: بلدنا يودع شبابه كل يوم كشهداء بلا نعوش

    في مشهدٍ يختلط فيه الرمزي بالمعنوي، وطأت قدم البابا أرض لبنان، وما إن لامست قدماه تراب الوطن حتى فاض الخير فجأة… مطرٌ غزير كأن السماء نفسها أرادت أن تُعلن الترحيب. هكذا بدا المشهد اليوم: بلادٌ عطشى للسلام تستقبل رسول السلام، وسماءٌ حبلى بالبركة تُغسل معها بعضًا من غبار السنوات الصعبة.

    لبنان، الذي صار اسمه ملازمًا للأزمات والانقسامات، وقف اليوم مختلفًا. لحظة واحدة كانت كافية ليشعر الناس أن شيئًا أكبر من السياسة والاصطفافات يحدث؛ أن البلد الذي أتعبته الحروب والاغتيالات والانهيارات لا يزال قادرًا على استحضار لحظة أمل تُشبهه… تُشبه قلبه الحقيقي.

    زيارة البابا ليست زيارة عابرة. إنها اعترافٌ بلبنان الرسالة، بلبنان الذي يُحافظ رغم جراحه على قدرته العجيبة على الحياة. وحين انهمر المطر، رأى فيه كثيرون إشارة: أن الخير ما زال ممكنًا، وأن الغيم، مهما تراكم، لا بد أن يسكب ماءه يومًا، تمامًا كما يسكب السلام نوره حين يجد بابًا مفتوحًا.

    رسالتي انا الشاب اللبناني إلى البابا لاوون الرابع عشر:

    “قداستك،

    أنا واحد من جيلٍ كبر قبل أوانه… جيلٍ لم يعرف يومًا معنى الطمأنينة. نستقبلك اليوم وقلوبنا مثقوبة، مثقلة، مُنهكة من الركض الدائم خلف وطنٍ يهرب منا كلما اقتربنا منه.

    نحن شباب لبنان، الذين يفترض أن نكون طاقة البلد ومستقبله، صرنا نحمل في صدورنا عمرًا أكبر من أعمارنا. وُلدنا على صوت التفجيرات، كبرنا على أخبار الاغتيالات، درسنا على ضوء الشموع، ووقفنا طوابير لنحصل على البنزين والدواء ورغيف الخبز. هاجر أصدقاؤنا، ومات بعضهم، ودفنا أحلامنا معهم.

    لم نطلب الكثير… كنا نريد بلدًا طبيعيًا، لا يمجّد الموت ولا يقدّس السلاح ولا يسلّم رقاب الناس لزعماء لا يرون فينا سوى أرقام. كنا نريد أن نعيش كباقي الشعوب، أن نخطط للمستقبل لا للهروب، أن نفكّر في أيامنا القادمة لا في طرق النجاة.

    رسالة شاب لبناني للبابا لاوون الرابع عشر:

    “قداستك،

    نحن جيلٌ لم يَعُد يملك ترفَ الحلم… جيلٌ تحطّم على أيدي من سرقوا وطنه، نهبوا لقمة عيشه، وخنقوا مستقبله بلا رحمة.

    نحن شباب لبنان الذين يُفترض أن نكون روحه… فإذا بنا اليوم نتحوّل إلى حقائب تنتظر طائرة، إلى أسماء تُمحى من سجلات البلد واحدًا تلو الآخر.

    ليس لأننا اخترنا الرحيل، بل لأن البقاء صار شكلًا آخر من الموت.

    قداستك،

    نحن نموت هنا… ببطء، بصمت، بلا ضجيج.

    نموت في طوابير الذل.

    نموت على أبواب المستشفيات.

    نموت في الجامعات التي أُقفلت أبوابها في وجهنا.

    نموت في الطرقات التي تُغتال فيها الحياة كل يوم.

    نموت تحت سلطةٍ لا تسمع إلا صوت سلاحها، ولا ترى شبابها إلا كأعباء يجب التخلص منها.

    كيف نبقى في بلدٍ صار ساحةً لتصفية الحسابات؟

    كيف نبقى في وطنٍ صار رهينة بين أيدي زعماء يعرفون جيدًا كيف يحمون كراسيهم… ولا يعرفون شيئًا عن حماية شعبهم؟

    كيف نبقى حيث الحرب تُقرَّر بليل، والسلم يُمنَع بليل، ومصيرنا يُكتب خلف أبواب مغلقة لا مكان لنا عندها؟

    نحن جيلٌ يُدفَع إلى الهجرة كما يُدفع السجين إلى العتمة.

    نحن لا نغادر لأننا نكره لبنان، بل لأن الذين يحكمونه جعلوه لا يُطاق.

    قتلوا أحلامنا، أفقرونا، جاع أطفالنا، تهجّر أهلنا، وتُركنا نبحث عن حياة وراء حدود لا تريد استقبالنا أصلاً.

    قداستك،

    حين وصلتَ اليوم إلى لبنان، بكى السماء مطرًا…

    وأمّا نحن، فنبكي أنفسنا.

    نبكي شبابًا صاروا أرقامًا في السفارات.

    نبكي أصدقاءً فقدناهم: بعضهم ابتلعهم البحر، بعضهم أخذته الحرب، وبعضهم مات وهو على قيد الحياة.

    نكتب لك لأن الصوت هنا يُقطع، لأن الحقيقة تُخنق، ولأن القهر صار أكبر من أن يُحتمَل.

    نكتب لأن العالم يجب أن يعرف أن شباب لبنان لم يهاجروا بحثًا عن رفاه… بل هربوا من جحيم.

    قداستك،

    نحن لا نطلب معجزة… المعجزات انتهت هنا منذ زمن.

    نطلب فقط أن تُقال الحقيقة:

    لبنان بلدٌ جميل أُسلم إلى القبح، وبلدُ السلام صار رهينة السلاح، وبلدُ الرسالة صار مقبرة لأحلام شبابه.

    أهلًا بك في لبنان…

    لبنان الذي استقبلك بالمطر، لكنه يودّع أبناءه كل يوم كأنهم شهداء بلا نعوش.

    لبنان الذي يغتسل بالخير في حضورك، لكنه يغرق في الظلم في غياب الدولة.

    لبنان الذي يرفع راية السلام… لكن شبابه يرفعون جوازات سفرهم كمن يرفع شهادة وفاة”.

    خاص- الى البابا لاوون رسالة: بلدنا يودع شبابه كل يوم كشهداء بلا نعوش .

  • خاص- بالفيديوهات- وزارة الأشغال وزارة الغرق الدائم… لا وزير تعلّم ولا طريق نجا والبلد صار نافورة!

    في كل دول العالم، المطر نعمة، أمّا في لبنان، فيتحوّل إلى لعنة تُعرّي دولة لا تعرف من الإدارة سوى اسمها، ووزارة أشغال تُتقن شيئًا واحدًا: المفاجأة السنوية!

    منذ الصباح، امتلأت وسائل الإعلام بمشاهد الطرق التي انقلبت أنهارًا، السيارات التي علقت، الأنفاق التي ابتلعها الماء، والناس الذين حوصروا بين الفوضى والغياب التام لأي حضور رسمي فعّال.

    ومع كل هذا، تبقى الحقيقة الأكثر صدمة:

    لم يمرّ على وزارة الأشغال وزيرٌ واحدٌ تعلّم من أسلافه… كلهم يبدأون من الصفر وينتهون في الصفر، ويتركون الطرق تغرق في المستنقع نفسه موسمًا بعد موسم.

    لكن هذا العام، الفضيحة خرجت من الطرق والشوارع… وبلغت مؤسسات الدولة:
    وزارة العمل غرقت! نعم، وزارة كاملة تحوّلت إلى حوض ماء لأن وزارة الأشغال لم تنظّف مجرورًا هنا أو مصرفًا هناك.
    فأي دولة هذه التي تغرق فيها الوزارات كما يغرق المواطن في سيارته؟

    وهنا تظهر حلقة إهمال ثانية لا تقلّ خطورة: وزارة الطاقة.
    فالوزارة مسؤولة مباشرة عن تنظيف الأنهر والمجاري المائية التي تُفترض أن تستوعب مياه الأمطار وتمنع فيضانات الطرق.
    ولكن… أين هي أعمال التنظيف؟
    أين الجرافات؟
    أين الصيانة الموسمية؟
    غياب كامل، وكأن الأنهر ليست جزءًا من منظومة تصريف المياه!

    ثم تأتي الحقيقة الأكثر مرارة:
    البنى التحتية في لبنان لم تخضع لأي تصليحات حقيقية منذ سنوات طويلة.
    شبكات قديمة، مصارف منهارة، مجارير مسدودة، أنفاق غير مؤهلة… كلّها تُركت صدئة ومتهالكة، بينما الوزارات تتعاقب من دون أن يكلّف أحد نفسه حتى إجراء تحديث بسيط أو خطة إصلاح جدّية.
    فماذا ننتظر؟
    أن تنهار الطرق كلها دفعة واحدة؟

    ومع ذلك… الفوضى لا تأتي وحدها.
    الإهمال صار “إبداعًا” سنويًا، “نافورة” جديدة في كل منطقة!
    نافورة تتوسط الطريق، نافورة على الأوتوستراد، نافورة عند مدخل أي حي… كأن وزارة الأشغال قررت إطلاق مهرجان مائي دائم!
    انسداد مجرور واحد يتحوّل إلى نافورة “متفجّرة” تُقذف مياهها إلى ارتفاعات تنافس نافورة جنيف… لكن بنسخة لبنانية، مياه مجارير… أعصاب مشلولة… وطرقات توقّفت معها حياة الناس.

    هل هذه بنية تحتية؟
    أم نكتة سمجة؟
    أم دولة تسلّم مواطنيها للقدر كل شتاء؟

    في الدول السوية، المطر يغسل الطرق.
    في لبنان، المطر يغسل الحقيقة:
    الدولة مقصّرة، وزارة الأشغال عاجزة، وزارة الطاقة غائبة عن واجباتها، والوزارات الخدماتية كلها تُكمل دائرة الفشل نفسها، من دون خطط… من دون صيانة… ومن دون مسؤول يحاسب أو يُحاسَب.

    وخلاصة المشهد؟
    لسنا أمام أزمة طقس… بل أمام أزمة حكم.
    لسنا أمام منخفض جوي… بل أمام عقل منخفض، وبنية منخفضة، ومسؤولية منخفضة.
    بلدٌ لا يستطيع تصريف مياه المطر…
    فكيف سيصرف الأزمات الأكبر والأخطر التي يعيشها كل يوم؟

    اليوم، الطرق غَرِقت… الوزارات غَرِقت… والأنهر فاضت بلا من يتابع… والبنى التحتية تسقط قطعة قطعة…
    والبلد صار شبكة نوافير، كل واحدة تروي قصة إهمال مضاعف… وفشل مضروب بالوقاحة.

    هذا الشتاء ليس عاصفة.
    لهذا الشتاء عنوان واحد:
    الدولة تغرق… لأن وزارة الأشغال لم تتعلّم السباحة قط، وزارة الطاقة لم تنظّف كالعادة، والبنى التحتية تُركت تموت ببطء منذ سنوات طويلة.

    المشهد من خلدة:

    المشهد من مستشفى “اوتيل ديو”

    المشهد من سن الفيل:

    المشهد من الدكوانة:

    المشهد من ساسين الأشرفية:

    المشهد من وزارة العمل:

    المشهد من حي السلم:

    المشهد من انفاق المطار:

    المشهد من الجميزة:

    ولو اردنا نشر كل المقاطع لما انتهينا.

    خاص- بالفيديوهات- وزارة الأشغال وزارة الغرق الدائم… لا وزير تعلّم ولا طريق نجا والبلد صار نافورة! .

  • خاص- عندما تعلن الحكومة فشلها!

    خاص- عندما تعلن الحكومة فشلها!

    حذّر كثيرون، في الخارج والداخل، منذ أن أظهرت الحكومة تردّدها في حسم ملفّ نزع السلاح خوفاً من حرب أهلية، من أنّ التبعات المترتّبة على عدم تطبيق حصريّة السلاح قد تكون أكثر كلفة وخطراً على لبنان من الحرب الأهلية ذاتها. ولكن العجز أو الخوف أو التذاكي أو الحسابات السياسية، هي التي جعلت رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يتردّدان كثيراً في الإقدام على خطوة نزع السلاح بالقوّة. وتُرك الأمر للتراضي الذي لن يحصل مطلقاً، وللوقت الذي لن ينتهي، أو ربّما لتطوّرات تجعل التنفيذ في أيدي أطراف خارجية، تعفي المسؤولين في الداخل من هذه تحمّل هذه المسؤولية بأنفسهم.

    ولكن، إلقاء كامل المسؤولية في التقرير والتنفيذ على الخارج، له أثمان كبيرة على لبنان واللبنانيين. فما لم تنفّذه الدولة بالحُسنى، ستقوم الدول الكبرى بتنفيذه، وفق وجهة نظرها. وثمّة من يقول إنّ لبنان أثبت أنّه غير قادر على حكم نفسه بنفسه وإدارة شؤونه. فهو ينتقل من انتداب إلى احتلال، ووصاية، فنفوذ خارجي، سواء كان إيرانياً أو سورياً أو حتّى أميركياً.

    في الواقع، أعلنت الحكومة فشلها في عملية نزع السلاح، عندما قالت على لسان رئيس وزرائها نوّاف سالم، إنّ موضوع جنوب الليطاني سينتهي آخر العام، أمّا السلاح شمال النهر فسيخضع لعمليّة “احتواء”. ولم يفهم أحد ماذا يعني هذا التعبير المبهم، سوى ترك السلاح في مكانه، وإعلان انتهاء المهمّة عند هذا الحدّ.

    فإذا كانت هذه هي النتيجة التي يتوقّعها لبنان ويكتفي بها، فإنّ ذلك صنّفته الولايات المتّحدة بالفشل الذريع. فجاء إلغاء زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل لواشنطن، إضافة إلى ما أعلنه مسؤول رسمي أميركي لقناة “العربية” من أنّ “حزب الله يعيد التسلّح، والجيش لا يقوم بعمل كافٍ”.

    فماذا يعني كلّ ذلك؟

    إنّه يعني أنّ كلّ المهل التي أعطتها واشنطن للبنان قد انتهت، وبدأ العمل الأحادي الجانب. ربّما لا تزال هناك فرصة أخيرة غير معلنة، إذا ما عرف “حزب الله” كيفية الاستفادة منها. ولكن التوجّهات التي تصله من إيران، تدعوه إلى التشدّد وعدم تقديم تنازلات حاليّاً، لأن طهران تريد توظيف ورقة “الحزب” حتّى النفَس الأخير في خدمة مصالحها ومفاوضاتها المفترضة مع الولايات المتّحدة حول الملفّ النووي.

    صحيح أنّ هناك حديثاً عن توجّه لدى رئيس مجلس النواب ورئيس حركة “أمل” نبيه برّي لأخذ الشيعة في اتّجاه آخر، يهدف إلى حمايتهم من حرب جديدة، لكنّ نتيجة هذا التحرّك الذي يقوم به برّي، قد لا تصل إلى مكان، بسبب سطوة نفوذ “الحزب” وإيران على أيّ توجّه شيعي نحو مرجعيّة دينية أخرى غير الوليّ الفقيه.

    إذاً، القرار اتُّخذ أميركياً وإسرائيلياً بالتصرّف. فتجدّد الحرب على لبنان ليس سوى مسألة وقت، وقد بدأت ملامحها مع اغتيال رئيس الأركان في “الحزب” هيثم علي الطبطبائي في قلب الضاحية.

    وعندما تبدأ واشنطن بالتصرّف بدورها، فهذا يعني ضوءاً أخضر لنتنياهو كي ينفّذ عمليته العسكرية. وهو يعني أيضاً استمرار التضييق الاقتصادي والمالي على لبنان. وهذا ظهر بوضوح في الزيارة الأخيرة التي قام بها وفد وزارة الخزانة الأميركية لبيروت، حيث أعطي لبنان مهلة ستين يوماً، تنتهي في آخر السنة.

    وعندما تفشل هذه الحكومة في تنفيذ كلّ ما تعهّدت به، بعد كلّ الدعم الذي حظيت به مع العهد أميركياً في البداية، فإنّ التفويض المعطى لها قد لا يتمّ تجديده. وإذا ما نفّذت إسرائيل أجندتها، بدعم أميركي، فسيكون المشهد السياسي في لبنان مختلفاً. وكلّ الاحتمالات واردة في هذا المجال، ومنها وضع اتّفاق الطائف على الطاولة لتشريحه من جديد وإعادة النظر فيه.

     

    خاص- عندما تعلن الحكومة فشلها! .

  • خاص- اثنان وثمانون عامًا على “عيد الاستقلال”… وما زال لبنان يبحث عمّن يحرّره

    خاص- اثنان وثمانون عامًا على “عيد الاستقلال”… وما زال لبنان يبحث عمّن يحرّره

    نحتفل هذا العام بذكرى الاستقلال الـ٨٢، لكن الحقيقة أنّه لا أحد في هذا البلد قادر فعلًا على القول إنّه عاش يومًا واحدًا في دولة مستقلة كاملة السيادة. منذ ١٩٤٣، كل خطوة نحو الأمام أُتبعت بخطوتين إلى الخلف. كل محاولة لبناء دولة حقيقية، قُطعت بسلاحٍ غير شرعي، أو بمنظومة فاسدة، أو باحتلال مباشر، أو باحتلال “من الدّاخل” يتلطّى خلف شعارات كاذبة.

    لبنان، منذ تأسيسه، لم ينعم بسقف واحد يحميه. الوصاية السورية حكمته بالحديد والنار لعقود، قبلها الاجتياح الإسرائيلي دمّر الجنوب وبيروت، وبعدهما سقط البلد في فخّ محورٍ مسلّح يحتكر قرار الحرب والسلم، يقرّر عنه، ويملي عليه خياراته، ويورّطه في صراعات لا تعنيه. هذا ليس استقلالًا، وهذا ليس نظامًا ديمقراطيًا، وهذا بالتأكيد ليس وطنًا حرًّا سيّدًا كما نحبّ أن نتغنى.

    ٨٢ سنة ونحن نسمع الخطاب نفسه: “لبنان سيّد حر مستقل”. لكنّ الواقع اليوم أوضح من أن يُخفى بعبارات مقدّسة:

    هناك سلاح أقوى من الدولة. هناك حزب أقوى من الجيش والحكومة والقضاء. وهناك نفوذ خارجي يجعل من البلد ساحة، ومن الشعب دروعًا، ومن الأرض ورقة تفاوض.

    كيف يكون لبنان مستقلًا وفيه فريق يجرّ البلاد إلى حرب كل عشر سنوات؟ كيف نكون مستقلّين ودولة بكاملها لا تستطيع تنفيذ قرارات دولية صدرت لحمايتها؟ كيف نكون مستقلّين حين يكون لكل فئة “سفراؤها” وولاءاتها الخارجية، ولكل محور خطته، ولكل زعيم أجندته؟

    هذه ليست دولة. هذه فسيفساء مصالح، تركيبة هشّة معلّقة فوق برميل بارود.

    ولبنان، من ١٩٤٣ حتى اليوم، دفع ثمن هذه الهشاشة:

    حرب ١٩٥٨، حرب ١٩٧٥، الاجتياح ١٩٧٨ ثم ١٩٨٢، حرب المخيمات، انتفاضة ١٩٨٧، حرب الإلغاء، حرب التحرير، حرب تموز ٢٠٠٦، جولات متفرّقة من طرابلس إلى عرسال، اغتيالات بالجملة، وصولًا إلى حرب ٢٠٢٤ التي كشفت حجم الخراب وفضحت هشاشة “الدولة” أمام نفوذ السلاح والحسابات الإقليمية.

    ٨٢ سنة ونحن لا نعرف الاستقرار.

    ٨٢ سنة ونحن نعيش على خطّ النار.

    ٨٢ سنة والدولة تُدار بمنطق “التسويات”، لا بمنطق السيادة.

    ٨٢ سنة والشعب ضحية، والسلطة شريك في الصمت، والمواطن يغرق بين انهيار اقتصادي، وفساد مستفحل، ومؤسسات تُفرغ من مضمونها.

    لكنّ المشكلة أعمق، فلبنان لم يخسر استقلاله فقط… لبنان تخلّى عنه.

    تخلّى عنه عندما قبل أن يكون القرار الوطني ممزقًا بين الداخل والخارج.

    تخلّى عنه عندما قبل أن يكون السلاح خارج الدولة “مقدّسًا” أكثر من الدولة نفسها.

    تخلّى عنه عندما صار المواطن هو من يحارب ليبقى، بينما من يحكمه يحارب ليبقى في منصبه.

    ومع ذلك، وبرغم العتمة، هناك حقيقة واحدة لا مفرّ منها:

    اللبنانيون ما زالوا يريدون الاستقلال. يريدونه بالمعنى الحقيقي، لا التزييني. يريدون دولة… دولة حقيقية، جيش واحد لا جيوش، قرار واحد لا قرارات مزدوجة، حدود تُحترم، سيادة لا تُباع ولا تُقايض، دولة لا تخاف من شعبها… بل يحتمي بها شعبها.

    الاستقلال ليس مناسبة. الاستقلال ليس عرضًا عسكريًا. الاستقلال ليس منشورًا على وسائل التواصل.

    الاستقلال فعل، معركة، قرار.

    وثورة دائمة على كل ما يمنع قيام الدولة: من سلاح خارج سلطة الدولة، إلى فساد ينخرها، إلى سلطة تتاجر بدم الناس ومصيرهم.

    في عيد الاستقلال الـ٨٢، يمكن أن نكذب على أنفسنا كما نفعل كل عام… أو يمكن ببساطة أن نقول الحقيقة:

    لبنان ليس مستقلاً بعد. لكنه يستحق أن يكون. ولن يكون ذلك إلا عندما يرفض اللبنانيون أن يبقى وطنهم مسرحًا لحروب الآخرين، وأن يبقى قرارهم مرهونًا لغير دولتهم.

    يوم نعلن هذا القرار بوضوح، ونقف خلفه بجرأة… يومها فقط يمكن أن نحتفل بعيد الاستقلال، ليس ذكرى… بل واقعًا حيًّا نعيشه للمرّة الأولى منذ ٨٢ عامًا.

    خاص- اثنان وثمانون عامًا على “عيد الاستقلال”… وما زال لبنان يبحث عمّن يحرّره .

  • خاص- السعودية ترعى تسوية لموضوع السلاح في لبنان

    خاص- السعودية ترعى تسوية لموضوع السلاح في لبنان

    تتوّج زيارة وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لواشنطن نضوج الدور السعودي، الذي تحضّر له المملكة منذ سنوات، لتكون الرياض مركز القيادة الأقليمية في الشرق الأوسط. ويشكّل اللقاء بين الرئيس دونالد ترامب وبن سلمان، والذي أحيط بحفاوة بالغة، إعلاناً للمكانة التي تحتلّها السعودية، والتي تؤهّلها للعب الدور المحوري في حلّ المشاكل في المنطقة، ولأن تكون المركز للازدهار المرتقب، بعد انتهاء الحروب، والذي يتباهي الرئيس الأميركي بأنّه راعيه الأوّل.

    ويمتدّ الدور السعودي الإقليمي إلى المجالين الاقتصادي والسياسي، في ظلّ ما تخطّط له الولايات المتّحدة من مرحلة استثمارات واسعة أوّلاً، وفي خضمّ الحروب والمشاكل التي تحتاج إلى حلول، من لبنان إلى غزّة وسوريا والملفّ الإيراني، وصولاً إلى مستقبل عملية السلام في المنطقة. ويبدو أنّ الرئيس ترامب أعطى وليّ العهد الضوء الأخضر لقيادة كلّ هذه المهامّ الصعبة، لاعتقاده أن لا بديل من الرياض في لعب هذا الدور المؤثّر.

    في الاقتصاد والشراكة الاستثمارية مع واشنطن، جاء إعلان بن سلمان عن رفع قيمة الشراكات الاقتصادية بين البلدين إلى تريليون دولار، ليشكّل مفاجأة أكبر من المتوقّع ومن الحجم الذي اتُّفق عليه خلال زيارة ترامب للرياض في أيّار الماضي. وستركّز هذه الشراكات خصوصاً على قطاعي الذكاء الاصطناعي والطاقة. ويبدو أنّ الطرفين قد حلّا المسائل المتعلّقة بالأمن القومي حول نقل التكنولوجيا والبيانات والرقائق. كما تحتاج مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى طاقة هائلة لتشغيلها.

    أمّا في المجال العسكري، فكان الحدث في إعلان ترامب أنّه سيبيع الرياض طائرات من طراز أف 35، لتكون السعودية، في حال تمّت الصفقة، أوّل دولة عربية تحصل على هذا النوع من الطائرات، ما سيثير مشكلة الحفاظ على التفوّق العسكري لإسرائيل في المنطقة. وكان سبق لترامب في نهاية ولايته الأولى أن وقّع عقداً مع الإمارات لبيعها هذا النوع من الطائرات، لكن إدارة بايدن علّقت العمل به.

    وتعني الصفقة مع السعودية أنّ واشنطن وافقت على نقل المزيد من المسؤولية الأمنية إلى شركاء إقليميين موثوقين، مع العلم بأنّ تسليم الطائرات، في حال لم تتعثّر الصفقة، سيستغرق سنوات. ولكن، ترى واشنطن أنّ الدور الأمني للسعودية سيكون إيجابيّاً في أمكنة عدّة، منها اليمن وكبح جماح الحوثيين الذين ما زالوا يشكّلون خطراً على الملاحة الدولية.

    والدور الأهمّ للمملكة سيكون في موقعها إزاء التوصّل إلى حلول تتعلّق بالوضع في غزّة ولبنان وسوريا والاتّفاقات الإبراهيمية.

    وهنا عرفت السعودية كيف تسخّر موقعها المهمّ للحصول على مقابل من الولايات المتّحدة، سواء في التكنولوجيا أو الأمن أو طبعاً الاقتصاد. ففي غزّة، يُنتظر منها أن تلعب دوراً أساسيّاً في عملية إعادة الإعمار. ولكنّها لن تنخرط في هذه العمليّة قبل التأكّد من أمور عدّة، أوّلها سحب سلاح حركة “حماس”، والحصول على تعهّد بمستقبل موثوق للفلسطينيين. وهذه الضمانات ربّما تفتح المجال أمام الانخراط في عملية التطبيع من جديد. ولملاقاة المطلب السعودي هذا، صوّت مجلس الأمن قبل أيّام على خطّة ترامب للسلام في غزّة، والتي تنصّ على نشر قوّة دوليّة وعلى مسار لدولة فلسطينية.

    وكما ستضطلع الرياض بدور بارز في سوريا الجديدة. وهذا يبدو شديد الوضوح، إذ أعلن ترامب نفسه أنّه قرر رفع العقوبات عن دمشق بناء على طلب من وليّ العهد السعودي.

    أمّا بالنسبة إلى لبنان، فهناك معلومات يتمّ تداولها عن دور للمملكة يتمّ العمل عليه، ويهدف إلى قيادة الحلّ، تماماً كما حصل عند إقرار اتّفاق الطائف. وتقوم الصيغة المطروحة على إيجاد مخرج لمعضلة السلاح، يجنّب لبنان ضربة إسرائيلية جديدة وقاسية. وحسب المعلومات، فإنّ إيران قد وُضعت في جوّ الصيغة التي تتمّ بلورتها. وتقوم على وساطة لدمج “الشيعة” أو “الحزب” في إطار الدولة، عبر تسوية سياسية تعتمد على تطبيق اتّفاق الطائف بكلّ ما يتضمّنه من نزع السلاح وإلغاء الطائفية السياسية وإنشاء مجلس الشيوخ. وثمّة من يرى أنّ رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي هو من يهندس الإخراج للوصول إلى هذه التسوية. ومن هنا تُفهم الزيارة غير العادية التي يقوم بها الوزير السابق علي حسن خليل لطهران، حيث يحاول أن يفهم موقف القيادة الإيرانية حول مستقبل “الحزب”، وضرورة تجنيب لبنان الحرب، والتشديد على أهمّية الدور السعودي، حيث هناك مقترح لعقد مؤتمر في بيروت ينبثق عنه الحلّ المتعلّق بمسألة السلاح وتنفيذ الطائف.

    خاص- السعودية ترعى تسوية لموضوع السلاح في لبنان .

  • خاص- “الحزب” يدرس قرار الاستسلام؟

    خاص- “الحزب” يدرس قرار الاستسلام؟

    بات أمراً حتميّاً أنّ الضربة الإسرائيلية المقبلة للبنان هي مسألة وقت. فالأميركيّون، من خلال زيارة وفد وزارة الخزانة المدجّجة لبيروت، قالوا كلمتهم: لديكم مهلة لستين يوماً، لا أكثر ولا أقلّ. وما لم يقولوه علناً، هو أن لبنان سيُترك بعد هذه المهلة ساحة مفتوحة أمام إسرائيل.

    وهذه المرّة، كما تؤكّد مصادر في واشنطن، المهلة نهائية، ولن يتمّ تجديدها. فالأميركيون ملّوا من الوعود اللبنانية والكلام الذي لا يُترجَم أفعالاً، ويئسوا من إعطاء الفرصة تلو الأخرى للحكومة ولرئيس الجمهورية. وقد تأكّدوا أنّ لبنان الرسمي لن يقدِم يوماً على سحب سلاح “حزب الله”، ما لم تحصل تطوّرات دولية وإقليمية تدفع في هذا الاتّجاه.

    كما أنّ إسرائيل جهّزت الخطّة لتوجيه ضربة للبنان، تقضي فيها على محاولات “الحزب” تجديد ترسانته العسكرية، فيما تعمل الولايات المتّحدة مع دول في المنطقة، بينها سوريا وتركيا، على قطع طرق التمويل من إيران التي أرسلت خلال العام الحالي ما يقارب المليار دولار إلى “الحزب”.

    وأوردت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية قبل أيّام، أن “الجيش الإسرائيلي يستعدّ لتنفيذ عملية هجومية ضد حزب الله في لبنان”. وكشفت أن “الضربات تشمل استهدافاً لمصانع إنتاج الأسلحة في البقاع وبيروت، والتي تُستخدم لتطوير صواريخ تقليدية إلى صواريخ دقيقة”. وعمليّاً، لن تختلف هذه الموجة المتوقّعة من الهجمات عن الحرب السابقة، سوى ربّما بمستوى كثافة الضربات.

    ولن يكون في مقدور “الحزب” أن يردّ أو أن يدافع عن نفسه. كما لن يجد من يقف معه، لا إيران ولا سواها. وهذا ما كان عليه الوضع في الحرب السنة الماضية مع ردود محدودة جدّاً من لبنان، بينما بقيت طهران تتفرّج. فكم بالحريّ اليوم مع إضعاف “الحزب” وإيران وكامل المحور؟

    وفي مقابل هذه الصورة التي تؤكّد حتمية الضربة للبنان، يبقى أمام “الحزب” أن يتّخذ القرار: إمّا بتعريض نفسه والبلد لمزيد من الإضعاف والقتل والدمار، أو القبول بالمفاوضات بالشروط الإسرائيلية، والتي ستصرّ على تطبيق سحب السلاح كبند أوّل.

    وليس “الحزب” بعيداً عن هذه الأجواء. وهناك نقاشات حثيثة لتحديد الخطّة للمرحلة المقبلة.

    ولكن، هناك تعقيدات عدّة تقف أمام اتّخاذ القرار المناسب والمدروس. فإيران توعز إلى “الحزب” بالتصعيد، إن عبر إعلان الرفض لسحب السلاح شمال الليطاني أو التنديد بما أعلنه لبنان عن الاستعداد للتفاوض مع إسرائيل. ويبدو أنّ طهران تريد استنزاف ذراعها اللبنانية حتّى آخر رمق، كي تفاوض عليها لاحقاً مع الولايات المتّحدة.

    وفي المقابل، هناك نقاشات تجري بالتزامن، حول القبول بالتفاوض، إذا كان “الحزب” هو الطرف الفاعل فيها. وهكذا، يمكنه، على ما يعتقد، ربح المزيد من الوقت ومحاولة تحقيق مكاسب له. إنّما، يبدو أنه تأخّر كثيراً في الانضمام إلى هذا الخيار الذي كان مطروحاً عليه قبل الحرب من جانب المبعوث آموس هوكشتاين. ولكن “الحزب” لم يلتقط الفرصة آنذاك بسبب طلب إيران منه التشدّد.

    أمام “الحزب” الآن خياران: تلقّي الضربة، ثمّ الصبر والانتظار، أو الاستسلام الفعلي. فإيّهما سيختار؟

    في الواقع، ليس الصبر والانتظار خياراً. فنموذج غزّة ماثل للعيان، حيث اضطرّت حركة “حماس” بعد سنتين من الحرب إلى الاستسلام. فقبلت بشروط وقف النار، التي تنصّ في مرحلتها الثانية على انتقال إدارة غزّة إلى هيئة حكم مدنية تتكوّن من مستقلين فلسطينيين، وانتشار قوّة استقرار دولية فيها، واستكمال انسحاب القوّات الإسرائيلية، ونزع سلاح الحركة.

    وإذا طبّقنا سيناريو غزّة على لبنان، فليس مستبعداً بعد الضربة الإسرائيلية المتوقّعة، أن يجري تنفيذ عملية نزع السلاح بالقوّة، وربّما على أيدي قوّات دولية، وبإشراف مباشر من إدارة الرئيس دونالد ترامب.

    إذاً، قد يكون خيار الاستسلام ماثلاً في ذهن “الحزب”. لكنّه يريد قبل ذلك تحصيل مكاسب داخليّة أوّلاً، بعدما تيقّن أن المكاسب الإقليمية بعيدة المنال.

    خاص- “الحزب” يدرس قرار الاستسلام؟ .

  • خاص- الحزب لا يعارض التفاوض…إذا كان طرفاً فاعلاً فيه

    خاص- الحزب لا يعارض التفاوض…إذا كان طرفاً فاعلاً فيه

    ليس غريباً في السياسة الدوليّة أن تُعقد الصفقات بين الأعداء، وأن تعلو المصالح على الثوابت، وأن يُكلّف الطرف القويّ بإدارة الطرف الضعيف، وأن تتغيّر موازين اللعبة. فعلى هذه الأسس، كانت فضيحة “إيران غيت” أو “إيران كونترا” في الثمانينات، حيث باعت الولايات المتّحدة إيران أسلحة عن طريق وسيط إسرائيلي، وموّلت ثوار “الكونترا” في نيكاراغوا. وهكذا ساند الأميركيون المجاهدين الأفغان الذين كانوا يحاربون الاتّحاد السوفياتي، والذين ما لبثوا أن تحوّلوا إلى حركة “طالبان”، التي أصبحت في وقت من الأوقات العدوّ الأوّل للولايات المتّحدة، فأطاحوها إثر هجمات 11 أيلول، ليعودوا إلى عقد اتّفاق معها في العام 2020 وتسليمها الحكم من جديد.

    وفي سوريا اليوم، أليس مثيراً للاستغراب أن تُكلّف واشنطن من كان مصنّفاً إرهابياً، وزعيم “جبهة النصرة” أو “هيئة تحرير الشام” أبو محمّد الجولاني، وهو الرئيس السوري حاليّاً أحمد الشرع، بمحاربة الإرهاب؟ وها هو الرئيس دونالد ترامب يجتمع به في البيت الأبيض، ويبحث معه جملة قضايا، منها انضمام دمشق إلى التحالف لمحاربة الإرهاب.

    أمّا بالنسبة إلى لبنان، فإنّ “حزب الله” سبق له أن فاوض الإسرائيليين في شكل غير مباشر، عندما تمّ الاتّفاق على ترسيم الحدود البحرية برعاية رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي في تشرين الأوّل من العام 2022. وكاد أن يعقد صفقة أخرى حول الحدود البرّية بوساطة آموس هوكشتاين، لولا اندلاع حرب غزّة، ثمّ الحرب على لبنان.

    ومع تصاعد الحديث اليوم عن تفاوض مع إسرائيل بموافقة رسميّة لبنانية، خرج “الحزب” بكتابه الموجّه إلى رؤساء الجمهورية والمجلس والحكومة، والذي رفض فيه “التورط والانزلاق إلى أفخاخ تفاوضية”. فإذا كان “الحزب” يعني ما يقوله، أي أنّه يرفض المفاوضات في المطلق، فالبديل المعروف والمعلن هو الحرب وتصعيدها وصولاً إلى قصف الضاحية الجنوبية لبيروت من جديد. أمّا إذا لم يكن يقصد حرفيّاً ما أعلنه، فهذا مؤشّر إلى رفع السقف بهدف التفاوض، وإفهام المعنيين أنّه هو الطرف الذي سيفاوض ويقرّر، إذا ما عُقدت مفاوضات لبحث الترتيبات الأمنية بين لبنان وإسرائيل.

    ويدرك “الحزب” حجم الضغوط الهائلة التي تمارس على لبنان من أجل سحب السلاح وإقفال طرق التمويل التي تصل من إيران، والتي قدّرتها واشنطن بمليار دولار منذ بداية هذا العام، والمترافقة مع رفع وتيرة التهديدات الإسرائيلية والتقارير التي تتحدّث عن أنّ “الحزب” يعيد بناء نفسه.

    والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يتحمّل “الحزب” من جديد عودة الغارات المدمّرة إلى الضاحية، وتهجير السكّان من منازلهم، سواء في بيروت أو في الجنوب، كما حصل العام الماضي، وهل لدى قاعدته القدرة على تحمّل ذلك؟ ومقابل ماذا؟

    يرى كثيرون أنّ تجربة غزّة ماثلة في أذهان “الحزب”. فمعاندة “حماس” لم تؤدِّ سوى إلى تسعير الضربات، قبل أن تعود الحركة وتقبل باتّفاق وقف النار الأخير، وما ينصّ عليه من نزع السلاح، وتسلّم قوّة دولية الأمن في القطاع. وإذا عاند “الحزب” إلى ما بعد المهلة المفترضة نهاية العام، فإنّ لهيب الحرب الجديدة آتٍ بلا أدنى شكّ. وسيتمّ ذلك بموافقة أميركية بهدف إخضاع “الحزب”، وجعله يقبل بالشروط الإسرائيلية والأميركية، وعلى رأسها نزع السلاح.

    وبما أنّ هذا المسار لا مفرّ منه، يبحث “الحزب” جدّيّاً الدخول في مفاوضات، على عكس ما أعلنه في كتابه الأخير. ولكنّه يريد أن يكون طرفاً فاعلاً في عمليّة التفاوض، مستفيداً من “ضعف الدولة وفشلها في عمليّة حصر السلاح”، ليقول إنّه الطرف القويّ، وإنّ التفاوض يجب أن يكون معه.

    ولكن، هل هذا السيناريو قابل للتحقّق؟

    إستناداً إلى الجوّ السائد حاليّاً لدى الإدارة الأميركية، يبدو التشدّد سيّد الموقف. فواشنطن تريد الانتهاء من “حزب الله” وسلاحه ومن كلّ المحور الإيراني. وإسرائيل أيضاً تعمل في هذا الاتّجاه. وهناك قوّة صاعدة الآن، هي سوريا الشرع، التي تشبك تحالفات دوليّة وإقليمية من الولايات المتّحدة إلى السعودية وتركيا. ويمكن لهذه القوّة الصاعدة أن تلعب دوراً كبيراً في مواجهة الدور الإيراني.

    هذا هو الستاتيكو الآن. ولكن “حزب الله” ربّما ما زال يعتقد أنّ هذا الستاتيكو قد يتبدّل إذا ما اتّبع سياسة الصبر وكسب الوقت. فهو يريد على الأقلّ أن يحفظ موقعاً قويّاً له في التركيبة اللبنانية الداخلية، بعدما تيقّن أنّ دوره الإقليمي قد انتهى.

     

    خاص- الحزب لا يعارض التفاوض…إذا كان طرفاً فاعلاً فيه .

  • خاص- حين يصمت الشابّ… وتهبّ الحياةُ هزيمة: ارتفاع الانتحارات في لبنان من ٢٠١٩ حتى ٢٠٢٥

    خاص- حين يصمت الشابّ… وتهبّ الحياةُ هزيمة: ارتفاع الانتحارات في لبنان من ٢٠١٩ حتى ٢٠٢٥

    في بلدٍ يترنّح بين أزماتٍ لا تنتهي، من الانهيار الاقتصادي إلى الانقسام السياسي وتآكل الثقة بالمستقبل، يتكشّف وجهٌ آخر أكثر خطورة وصمتاً: ارتفاع حالات الانتحار، ولا سيما بين فئة الشباب. إنها الحرب غير المعلنة التي يخوضها اللبناني ضد نفسه، حين يعجز عن احتمال واقعٍ لم يعد يُحتمل.

    أرقامٌ ترسم اتجاهاً مقلقاً

    تُظهر الأرقام المتوافرة من مصادر دولية وإعلامية أنّ ظاهرة الانتحار في لبنان تسلك منحى تصاعدياً منذ عام ٢٠١٩. فبحسب موقع The Global Economy، سجّل لبنان في ذلك العام معدل وفيات بالانتحار بلغ ٢،٨ لكل مئة ألف نسمة، وهو من أعلى المعدلات في العقد الأخير.

    وفي بيانات البنك الدولي المنشورة عبر موقع Trading Economics، سُجّل عام ٢٠٢١ معدل ٠،٧ لكل مئة ألف، غير أن الباحثين يشيرون إلى أن هذا الانخفاض لا يعكس تراجعاً حقيقياً في الحالات بقدر ما يعكس ضعفاً في التسجيل الرسمي وغياب قاعدة بيانات دقيقة.

    عام ٢٠٢٣ مثّل منعطفاً جديداً في المشهد. فقد نشر موقع The New Arab تقريراً يؤكد تسجيل ١٦٨ حالة انتحار في لبنان خلال ذلك العام، مقابل ١٣٨ حالة في ٢٠٢٢، أي بزيادة تفوق ٢١ في المئة. وهي أرقام صادمة في بلدٍ يعيش أزمة وجودية، لكنها تبقى، وفق خبراء، أدنى من الواقع بسبب امتناع الكثير من العائلات عن التبليغ نتيجة الوصمة الاجتماعية والخوف من الفضيحة.

    جيلٌ تائه بين الهجرة والانكسار

    اللافت أنّ معظم الدراسات الحديثة تجمع على أنّ الفئة العمرية الأكثر تأثراً تقع بين ١٥ و٢٩ عاماً، أي جيل الشباب الذي يُفترض أن يكون عماد الغد. دراسة منشورة عبر Elgar Online عام ٢٠٢٣ وصفت هذه الفئة بأنها “الأكثر هشاشة في مجتمعٍ مثقلٍ بالضغوط النفسية والاقتصادية والسياسية”.

    فهؤلاء الذين كبروا في ظلّ الحروب الصغيرة والانهيارات الكبرى، يجدون أنفسهم اليوم أمام وطنٍ ضاق بهم، لا عمل فيه ولا أفق، ولا حتى ثقة بقدرة أحد على الإصلاح.

    الانتحار في لبنان لم يعد يُقرأ كحالة فردية معزولة، بل كنتيجةٍ مباشرة لواقعٍ يختنق فيه الشباب بين مطرقة العجز وسندان اللامبالاة. البطالة، الفقر، فقدان الطبقة الوسطى، تراجع الخدمات العامة، والهجرة الجماعية، جميعها تُغذّي شعوراً متراكماً باللاجدوى. يضاف إلى ذلك انهيار البنية النفسية للمجتمع اللبناني منذ تفجير الرابع من آب، وما تبعه من أزمات مالية ومعيشية، جعلت اللبناني يعيش في دوّامة صدمات متواصلة.

    استراتيجيات على الورق… وصمت في الميدان

    ورغم كل ذلك، تبدو الدولة غائبة إلا من بعض الخطط الورقية. ففي عام ٢٠٢٤ أطلقت وزارة الصحة العامة “الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية ٢٠٢٤–٢٠٣٠”، التي تتحدث عن تعزيز الدعم النفسي والحد من الانتحار، إلا أنّ التنفيذ لا يزال محدوداً جداً.

    لا إحصاءات رسمية حديثة تصدر بشكل دوري، ولا برامج فعلية في الجامعات والمدارس، ولا خطوط ساخنة فاعلة على مستوى وطني. أما المبادرات، فتبقى في معظمها فردية أو من صنع منظمات غير حكومية تعمل بإمكانات محدودة.

    في المقابل، يحذّر خبراء علم النفس من أن استمرار هذا التدهور الاجتماعي والاقتصادي من دون تدخل مؤسساتي فعّال سيؤدي إلى مزيد من الانهيار النفسي، خصوصاً لدى الشباب. فالوطن الذي يُطفئ أحلام شبابه يُشعل فيهم رغبة الرحيل، سواء إلى الخارج أو إلى المجهول. والسكوت عن هذا الواقع هو مشاركة غير مباشرة في الجريمة.

    بلدٌ يُسكت شبابه

    الانتحار في لبنان اليوم ليس مجرد رقمٍ في تقرير، بل هو مرآة لبلدٍ فقد قدرته على حماية شبابه من اليأس. عندما يختار الشاب أن يصمت إلى الأبد، فإنّ صمته لا يُعبّر فقط عن ألمه الشخصي، بل عن عجز دولة ومجتمع عن الإصغاء إليه.

    فهل يسمع أحد هذا الصمت قبل أن يتحوّل إلى صرخةٍ جماعية لا تُسمع إلا بعد فوات الأوان؟

    خاص- حين يصمت الشابّ… وتهبّ الحياةُ هزيمة: ارتفاع الانتحارات في لبنان من ٢٠١٩ حتى ٢٠٢٥ .