خطاب “الحزب” يضعف توازياً مع ضعف إيران

بات يصعب جدا التركيز على ما يتحدث به المسؤولون في “حزب الله”، على رغم اعتبار كثر أنه ينطق باسم إيران أكثر من أي وقت مضى، بحيث أن أي موقف له يندرج في إطار قياس استمرار التشدد الإيراني من عدمه في الإمساك بما تبقى من نفوذ لإيران أو ما توجهه من رسائل إلى الخارج عبر لبنان. وترتبط هذه الصعوبة في شكل أساسي بالضعف أو الوهن على خلفية التحديات الداخلية الكبيرة التي باتت تواجهها إيران في الداخل وطبيعة “التنازلات” أو المساومات التي يمكن أن تلجأ إليها عبر الطلب من الدول الإقليمية التوسط لدى الولايات المتحدة لتجنب ضربة يقول كثر إنها لا تزال في الأفق، فيما لم يعد يراها كثر محتملة بناء على الكلام الذي يعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورسائل التطمينات المتبادلة بين إسرائيل وإيران عبر روسيا. يضاف إلى ذلك الإقرار بواقع جديد سواء حصلت ضربة أميركية أو لا، علما أن مراقبين كثرا يخشونها ولا يريدونها لاعتقاد أنها قد تخدم النظام وتحيد الأنظار عن مشاكله الاقتصادية الانهيارية، وذلك بناء على مسارات لم يعد يمكن طهران تجاهلها في مراجعة سياساتها ومقارباتها، أيا تكن المكابرة التي تمارسها، انطلاقا من أن الوساطات التي قامت بها الدول الإقليمية في الأيام القليلة الماضية تشبه إلى حد كبير ما مورس مع قادة دول سرعان ما تهاووا أو أطيحوا لعدم تلقفهم الكرة في الوقت المناسب.

وبات معروفا أن السلطة في إيران مكشوفة على واقع اقتصادي خطير جدا بتداعيات اجتماعية لا تقل خطورة، إلى جانب الانكشاف الأمني والعسكري في حرب الـ12 يوما في حزيران الماضي، بحيث يستحيل عليها البقاء في موقعها وحساباتها الراهنة.

توازيا، لم يخف كثر مخاوفهم من الانزلاق الكلامي لترامب عبر تغريداته التي شجع فيها المتظاهرين الإيرانيين على مواصلة انتفاضتهم، في وقت قد يدفع هؤلاء الثمن إذا أحدثت السلطة الإيرانية تحولا جوهريا ترضي به الإدارة الأميركية ومعها إسرائيل. وثمة آخرون لم يخفوا مخاوفهم من تورط أميركي يرتبط بمحافظة ترامب على صدقيته فحسب، فيما أي ضربات أميركية قد تقوي النظام وتسنده بالأوكسيجين الضروري لبقائه إذا لم تؤدّ إلى إسقاطه، في حين تطالب دول عدة بأن يكون التغيير الإيراني من الداخل ولو محفزا بالضغوط غير المباشرة في هذا الاتجاه.

قد يكون أكثر إيلاما وصعوبة للحزب ومعه إيران أن تجتمع دول الخماسية في قصر بعبدا لإعلان موعد انعقاد مؤتمر لدعم الجيش بناء على الالتزامات الرسمية الأخيرة على ألسنة أركان الحكم في لبنان، بالانتقال إلى المرحلة التالية من خطة الجيش التي ستشمل شمال الليطاني من دون التوقف كما في السابق عند اعتراضات الحزب التي كانت تؤخذ في الاعتبار وتراعى إلى حد بعيد.

فعلى رغم اختيار الحزب توقيتا لافتا لتوجيه رسائل انتقادات وتحذير إلى أركان الدولة اللبنانية تتعلق بمواقفهم الأخيرة من حصرية السلاح شمال الليطاني وتهديده بالحرب الأهلية تزامنا مع انعقاد اجتماع بعبدا في رسالة مباشرة له أيضا، لم يؤثر ذلك في مسار الدولة أو قراراتها الداعمة للخطوات الرسمية والالتزامات المقبلة للجيش. والحال نفسه بالنسبة إلى تسريب الحزب أنباء عن أن “ديبلوماسيين لم يفصح عن هويتهم سعوا خلال الأسبوع الماضي إلى الحصول على ضمانات لعدم تدخله عسكريا إذا شنّت الولايات المتحدة أو إسرائيل هجوما على إيران”. فهذا الأمر في ذاته يفترض أن يصيب السلطة اللبنانية في العمق على قاعدة التقليل من أهمية كل الكلام السابق لأركانها على استعادة قرار الدولة في الحرب والسلم، والذي لا يتطابق مع الواقع إذا كان ثمة من لا يزال يتدخل لدى الحزب من أجل الحؤول دون تدخله في أي حرب محتملة بين إسرائيل وإيران.

من يثق بعد بأن الحزب قد يكون لديه هامش، ولو ضئيلا، من القرار الداخلي، يتطلع إلى أن يبادر في اتجاه الدولة من موقع قوة ولو على نحو نظري أو وهمي، فيحظى بواقع مختلف عن ذاك الذي قد يفضي إليه اضطرار إيران لتغيير مقارباتها وسياساتها إن لم يتحول النظام نفسه. فالنصائح الكثيرة التي قدمتها دول إقليمية لطهران دفعت في هذا الاتجاه وفي اتجاه علاقات تعاون مختلفة في المنطقة ومع دولها من أجل إنقاذ إيران نفسها نظاما وتركيبة سلطة. الأمر نفسه يرى مراقبون أنه ينسحب على الحزب، على قاعدة ضرورة وعيه لهذه الوقائع وخسارته آخر موقع كان يلوذ به غير حليفه الشيعي، وهو موقف رئيس الجمهورية جوزف عون الذي أعلنه أخيرا من موقع مسؤوليته عن لبنان واللبنانيين.

خطاب “الحزب” يضعف توازياً مع ضعف إيران .

WhatsApp Telegram