تنشدّ أنظار اللبنانيين والعالم إلى ما سيحلّ بطهران. التصعيد الأميركي بلغ الذروة ولا مكان للتراجع في قاموس الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
يتأثر لبنان بشكل مباشر بما ستحمله المرحلة المقبلة من تغييرات داخل إيران. وتاريخ العلاقة بين بيروت وطهران قديم ويعود إلى العصر الذهبي في كلا البلدين. نسج الرئيس كميل شمعون أفضل العلاقات مع شاه إيران في مرحلة الخمسينات وكان حلف بغداد أحد أبرز القواسم المشتركة.
مرّت السنوات وتبدّلت الخرائط السياسيّة. لبنان سويسرا الشرق أصبح من الماضي بعد تسلم حافظ الأسد وبعده الخميني في السبعينات من القرن الماضي الحكم في سوربا وإيران، وتصدير الثورة الإيرانية إلى لبنان بعد عام 1979. لكن بعد الشاه عادت إيران مع حكم الجمهورية الإسلامية إلى التخلّف والرجعيّة الدينية وتحوّلت إلى دولة مُصدّرة للإرهاب والفتنة والمخدّرات.
يوجد ارتباط تاريخي بين ما يحصل في لبنان والمرحلة المقبلة على إيران. أميركا والرئيس ترامب رسما المخطّط والهدف الأوّل هو عودة طهران إلى مداها الحيوي وسياستها السابقة ووقف تصدير الإرهاب العالمي.
وتترقب العاصمة اللبنانية ما قد تحمل الساعات المقبلة. وسط صمت رهيب أو أقلّه انتظار حذر لتطورات الصراع الأميركي – الإيراني. وكل شيء في حكم المؤجّل. ومرّت الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء التي عُقدت في بعبدا بسلاسة وسط المطالبة بتحديد مهلة زمنية لتسليم السلاح شمال الليطاني، ربما جميع القوى السياسيّة بمن فيهم رئيس الجمهورية يراقبون التطورات الإيرانية.
وانطلاقًا مما تحمله الضربة على إيران، تبقى أوضاع لبنان رهينة تلك التطورات. وتأتي هذه الأحداث لترخي بظلالها على المشهد اللبناني. وتؤثر أحداث طهران بشكل مباشر على الساحة اللبنانية. فبلاد الأرز تتأثر بكل حدث يحصل في العالم، فكيف الحال بالنسبة إلى إيران التي تحكم لبنان بواسطة «حزب الله» وتفرض إيقاعها، وصدّرت الثورة الإسلامية إليه وبنت أهم ذراع عسكري وسياسي لها على أراضيه.
تحمل الساعات المقبلة لحظات انتظار ثقيلة. وبمجرد سقوط نظام ولاية الفقيه، يفقد «حزب الله» من أنشأه وموّله ودعمه، ففي هذه الحالة يكون قد فقد الغطاء السياسي والأمني وحتى الديني. فـ «الحزب» مرتبط بشكل عضوي بولاية الفقيه ويأتمر بالولي الفقيه في طهران، فعندما يغيب هذا الولي عن المشهد يخسر «حزب الله» قوّته.
يتحرّر لبنان تدريجيًّا من القبضة الإيرانية، وسيجعل ضعف النظام الإيراني وسقوطه مسألة تسليم السلاح في كل لبنان أمرًا حتميًا ولا مفرّ منه. وتشير أوساط دبلوماسية إلى أن الدولة اللبنانية باتت على علم بأن لا مجال بعد الآن للمراوغة أو محاولة تذاكي «حزب الله» على المجتمع الدولي، فصلاحية السلاح انتهت إلى غير رجعة، ولا مجال للتراخي أو محاولة تمرير الوقت.
وتلفت الأوساط إلى أن لبنان سيكون ضمن دائرة الاهتمام الأميركي، شأنه شأن العراق أيضًا، فلا يمكن سحق رأس الأفعى في طهران وترك ذنبها يتحرك في بيروت وسائر عواصم أقطار الممانعة، فما يحلّ في طهران سينسحب بالتأكيد على هذه العواصم، وسط وجود قرار أميركي ودولي بتحرير لبنان من الهيمنة الإيرانية.
ولا تستبعد المصادر إعادة تشغيل آلة الحرب الإسرائيلية في حال بقي «الحزب» على تعنته. الضوء الأخضر الأميركي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعطي، وتوقيت الحرب رهن الساعة الإسرائيلية، وما يسجّل للدولة اللبنانية هو نجاحها في تحييد مؤسسات الدولة والمدنيين عن أي حرب جديدة. ولعب الكرسي الرسولي دورًا بارزًا في الوصول إلى هذه الصيغة وتأمين عدم ضرب الدولة اللبنانية المنهارة أصلًا.
يفتح سقوط نظام الملالي في طهران الباب واسعًا على تغيير جذري في لبنان والمنطقة. عندها ستسلك بيروت درب الازدهار والتطوّر والانتهاء من كل وجود مسلّح خارج إطار الجيش اللبناني، وتُفتح أبواب السلام نهائيًّا ولمرة واحدة فقط بعد تاريخ طويل من الحروب.
عاصفة إيران تلفح بيروت: رياح التغيير هبّت .