باريس: الجيش آخر الركائز والانزلاق الأمني جنوباً خط أحمر

image-1767181398.jpg

حتى في ذروة العطل الرسمية، حين تخفّ الحركة في أروقة القرار الباريسية، لا يغيب لبنان عن الطاولة الفرنسية. يقول مصدر فرنسي، في دردشة مع “المدن” إن “لبنان بالنسبة إلينا ليس ملفًا موسميًا. هو حاضر يوميًا، حتى عندما تبدو باريس منشغلة بملفات أخرى. في الإليزيه كما في الخارجية، هناك قناعة بأن أي تطوّر أمني في لبنان ستكون له ارتدادات تتجاوز حدوده.”

يضيف المصدر، بنبرة تجمع بين الواقعية والقلق: “قد لا نعلن ذلك رسميًا، لكن النقاشات حول لبنان لم تتوقف، سواء في الاجتماعات الضيّقة أو في لقاءات أقل رسمية. الملف دائمًا مفتوح، لأن المخاطر لم تُقفل.”

من إدارة الأزمة إلى محاولة التأثير في مسارها

عن طبيعة المقاربة الفرنسية الحالية، يوضح المصدر نفسه: “نحن تجاوزنا مرحلة الاكتفاء بإدارة الأزمة اللبنانية. اليوم، الهدف هو منع الأسوأ. هناك شعور متزايد في باريس بأن لبنان يقف على حافة مرحلة شديدة الخطورة، حيث يتداخل الأمن بالسياسة، والداخل بالإقليم.”

ويكشف أنّ باريس تعتبر أنّ الانزلاق الأمني، ولا سيما في الجنوب، “خط أحمر”، ليس فقط للبنان، بل للاستقرار الإقليمي: “أي انفجار واسع جنوب الليطاني أو شماله أو حتى على كامل الأراضي اللبنانية، قد يفتح مسارًا لا أحد قادرًا على ضبطه. لذلك نركّز على الوقاية، لا على ردّ الفعل.”

الرهان الأخير

عند الحديث عن الجيش اللبناني، يتغيّر خطاب المصدر الفرنسي ليصبح أكثر حزمًا: “بكل صراحة، الجيش هو آخر ما تبقّى من هيكل الدولة. إذا سقط الجيش، تسقط الدولة. هذا ليس توصيفًا إعلاميًا، بل خلاصة نقاشات داخلية وخارجية عديدة.” لذا فإن كل ما يقوم به الجيش على الأرض من تنفيذ لخطة حصر السلاح جنوب الليطاني، والمرتقبة شماله بعد تقديم الجيش التقرير الرابع والأخير حول المرحلة الأولى من الخطة، إلى عمل الميكانيزم، أكان على المستوى العسكري أو حتى المدني، وما تسعى فرنسا إلى طرحه لتعزيز دورها وحضورها في لبنان على هذا المستوى، أكان على الأرض من خلال الميكانيزم أو من خلال الحفاظ على موطئ قدم لها جنوباً، لاسيما بعد انتهاء مهمة اليونيفيل في نهاية العام 2026، كل هذا “حظي بمتابعة دقيقة في باريس”، مضيفًا: “ننتظر ونتابع، لأن كل هذه الخطوات ستشكّل معيارًا أساسيًا لتقييم مدى جدّية الالتزامات اللبنانية. ليس المطلوب معجزات، لكن المطلوب مؤشرات واضحة على بسط السلطة.”

عن المسار التفاوضي عبر الميكانيزم، يشرح المصدر أنه اليوم الأداة الوحيدة المتاحة لمنع الانزلاق إلى حرب مفتوحة. تثبيت قواعد اشتباك، حتى لو كانت غير مكتوبة، أفضل من الفوضى. كما أن توسيع إطار عمل الميكانيزم على المستوى المدني يمكن البناء عليه مهما كانت العثرات والمطبات، أقله لوضع الامور على سكة استعادة التهدئة والاستقرار المستدامين. 

طبعا لا يغفل المصدر الفرنسي التشديد على أهمية أن يلتزم لبنان تعهداته على مستوى الاصلاحات المطلوبة منذ أزمة العام 2019 والانهيار المالي والاقتصادي الذي يعيشه هذ البلد، والذي يذكر المبعوث الرئاسي جان إيف لودريان في كل زيارة له لبيروت، بأهمية المضي فيها سريعاً وجدياً، من دون أي مماطلة ومراوغة، لكي يقرر المجتمع الدولي، ومن ضمنه فرنسا، مد يد العون للبنان، أكان في مؤتمر دعم الجيش، كما تفعل اليوم في إطار تحضيراتها لحشد الدعم له، أو مؤتمر إعادة الاعمار، وأي مؤتمر أو لقاء دولي يدعم النهوض بلبنان مجدداً. 

المرحلة الأصعب لم تبدأ بعد

وفق القراءة الفرنسية، فإنّ التقدّم الميداني جنوباً لا يعني نهاية الأزمة، يقول المصدر. الإشكالية الحقيقية سياسية –استراتيجية. موقف حزب الله من السلاح معروف، وهو يعتبره جزءًا من معادلة إقليمية، لا شأن للدولة بها. وفرنسا وانطلاقاً من معرفتها العميقة للواقع اللبناني وتوازناته الدقيقة والصعبة والهشة في الوقت نفسه، تعلم جيداً أن أي مقاربة غير محسوبة قد تشعل الداخل اللبناني. لذا، تتفهم باريس مقاربة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وما تراه “حكمته” في السير على خيط رفيع بين دعم قيام دولة القانون والأمن، وتجنّب الانفجار بين المكونات اللبنانية، خاصة أن حزب الله لا يفوت فرصة إلا ويعيد التأكيد على رفضه تسليم السلاح للجيش، عندما ينتقل إلى تنفيذ مرحلة ما بعد جنوب الليطاني مطلع العام الجديد. في هذا الإطار، وإضافة إلى سعيها للحفاظ على مصالحها في ما تبقى لها من موقع في المنطقة، تريد فرنسا أن تعزز دورها وحضورها الميداني على الأرض مع الجيش اللبناني كشاهد على ما ينجزه، ومواجهة الادعاءات الاسرائيلية بتقصير الجيش بمهامه.

مؤتمر دعم الجيش: أكثر من مساعدات

عن المؤتمر الدولي المرتقب لدعم الجيش اللبناني، يؤكد المصدر الفرنسي أن المبدأ أقر، لكن تبقى التفاصيل والاهداف المرجوة منه. هذا الامر ليس بالشيء السهل، وهو يحتاج إلى مسار تحضيري معقد. هناك نقاش حول نوعية الدعم، واستدامته، لمؤسسة مطلوب منها الكثير من الجنوب إلى الشمال وفي الداخل اللبناني على مستويات عدة، وقدراتها محدودة. 

وباريس كما غيرها من الدول الجادة في مساعدة لبنان وجيشه، تخشى سيناريوهات أخطر إذا انهارت قدرة الجيش على الصمود.

ما بعد اليونيفيل: أسئلة مفتوحة

في ما يتعلّق بمستقبل اليونيفيل، تدرك باريس حجم التحديات الميدانية والمستقبل المجهول حتى الان على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. السؤال المطروح ليس فقط هل تستمر اليونيفيل، أو تحل محلها أي قوة دولية أخرى بغض النظر عن التسميات، بل بأي صيغة ستتواجد وتعمل هذه القوة؟ وفي معلومات “المدن”، فإن دوائر فرنسية بدأت فعلياً بطرح “خيارات متعددة” لمرحلة ما بعد الصيغة الحالية على طاولة البحث، والمصدر يؤكد أن فرنسا لن تكون متفرجة. إذ لديها الاستعداد للعب دور محوري، عند طرح أي بديل دولي لليونيفيل في الجنوب. 

لبنان في الحسابات الفرنسية الكبرى

في الخلاصة، يربط المصدر الفرنسي الملف اللبناني بالسياق الإقليمي الأوسع. “لبنان ليس تفصيلًا.” هو جزء من معادلة شرق المتوسط، ومن حسابات الطاقة والنفوذ. من يعتقد أن فرنسا تتحرّك بدافع عاطفي يخطئ التقدير. الواضح أن فرنسا تعتبر نفسها، إلى جانب دول أوروبية أخرى في سباق مع الوقت والفرص.

تعرف أن الهامش ضيّق، في ظل دور أميركي متقدم جداً على الساحة اللبنانية، من السياسة إلى الأمن، فخطوط الأنابيب، والاستثمار في الغاز والنفط. لكن البديل عن التحرك الآن هو الانكفاء إلى حد انتفاء الدور السياسي وربما الوجود الميداني. وفرنسا وحيدة كانت، أو من ضمن المجموعة الأوروبية، لا تريد خسارة المزيد من النفوذ والحضور والدور في منطقة متغيرة متقلبة ترسم فيها حدود سياسية وجغرافية جديدة بقوة الحروب والنزاعات والصراع على النفوذ.

باريس: الجيش آخر الركائز والانزلاق الأمني جنوباً خط أحمر .

Facebook
WhatsApp
Telegram
X
Threads
Skype
Email
Print