كان تأليف الحكومة في الثامن من شباط 2025 مفاجأة لكثيرين، بعدما كانت المفاجأة الأولى تكليف القاضي نواف سلام بتشكيلها قبل أقل من أربعة أسابيع، أي في 13 كانون الثاني.
صحيح أن التكليف تم بعد مساعٍ حثيثة استمرت في العشية وحتى ساعات الفجر، ما أربك “الثنائي الشيعي” بالدرجة الأولى، لكن الصحيح أيضا، أن التأليف عكس المعادلة الجديدة التي تمكنت القوى السيادية من فرضها، بعدما عطلت بالأقلية التي تملكها انتخاب مرشح الممانعة، لا سيما وأن سيد العهد حدد السقف باكرًا بالتأكيد في خطاب القسم على سيادة الدولة بجيشها حصرًا على مختلف أراضيها.
وكان انطلاق الحكومة بنفحة تفاؤل كبير، وبخاصة أن الرئيس سلام لم يلجأ كما العديد من رؤساء الحكومة السابقين إلى المناكفة، بل أظهر تعاونًا كبيرًا مع رئيس الجمهورية الذي ارتاح بدوره إلى شخصية الرئيس سلام الذي لا يطمح إلى تأسيس حزب أو تيار معين، ولا يتعاطى مع الملفات بخلفية طائفية أو مذهبية.
على أن بعض الشوائب لم تتأخر في الإطلالة برأسها، نتيجة إصرار الرئيس بري على التصرف وكأنه شريك مضارب في السلطة التنفيذية، إن بالنسبة للقرار أو بالنسبة للتعيينات وسواها من الملفات. وقد برز ذلك بوضوح من خلال التمترس خلف وزير المالية في بعض التوجهات والقرارات الحكومية.
علما أن الوزير ياسين جابر كان يحرص على الظهور بمظهر المستقل ولكن من دون كثير نجاح. كما إن موضوع التعيينات كما قاربته وتقاربه الحكومة ما زال يخضع لتدخل الرئيس بري بالنيابة عن “الثنائي الشيعي”، على قاعدة تسمية الشيعة في الإدارة والمؤسسات العامة، أو على الأقل موافقة “الثنائي” عليهم.
وهذا الواقع الذي كاد يبلغ حد إحياء الترويكا السيئة الذكر، وما تعنيه من مخالفة لمبدأ الفصل بين السلطات، أرخى بثقله على العناوين والملفات الكبيرة، واستتبع تدريجًا طرح أسئلة من قبيل مدى التزام خطاب القسم والبيان الوزاري. فخطاب القسم الذي أطلقه الرئيس جوزاف عون في التاسع من كانون الثاني الماضي تحدّث صراحة وحرفيًا عن “واجب الدولة في احتكار حمل السلاح”، وقد تبنت الحكومة في حينه مضمونه وأكدت أن “الدولة اللبنانية تلتزم بالكامل مسؤولية أمن البلاد والدفاع عن حدودها”، لتنال ثقة المجلس بأكثرية 95 نائبًا.
لقد حاولت الحكومة ما في وسعها لإصلاح بعض جوانب الخلل في مسائل عدة، لكن العنوان الأساسي لدورها ومهمتها تحديدًا كان ويبقى قضية حصر السلاح. وصحيح أن نوايا الحكومة وبخاصة رئيسها ومن خلفهما نوايا رئيس الجمهورية كما تبدو طيبة وإيجابية، لكنها تصطدم عمليًا بنوايا الرئيس نبيه بري، وقد نجح كما يبدو في فرض شراكته في القرار أو في التعطيل والعرقلة.
وقبل الولوج في عنوان حصرية السلاح، فإن الحكومة وللأسف لم تكن حتى الآن عند مستوى التزاماتها ووعودها، في ما خص الاقتصاد والمالية على غرار وضع برنامج إنقاذ اقتصادي، وإنشاء صندوق لإعادة الإعمار يتصف بالاستقلالية، فضلًا عن طرح قانون استرداد الودائع وتفعيل التنقيب عن النفط، على الرغم من فتح الباب في البلوك 8 أمام الاستكشاف والتنقيب والإنتاج، من خلال إقرار الاتفاقية مع شركات توتال الفرنسية وإيني الإيطالية وقطر للطاقة بقرار مجلس الوزراء الصادر في 23 تشرين الأول الماضي.
أما في ما خص عنوان الإصلاح، فلم يبرز جديد حول التزامات الحكومة في شأن اللامركزية الإدارية الموسعة، وإصلاح قانون الانتخاب، الذي عجزت الحكومة حتى عن دفع رئيس المجلس إلى التزام الدستور والنظام الداخلي للمجلس لدرس وإقرار مشروع تعديل قانون الانتخاب الذي أحالته الحكومة على المجلس بصفة معجل مكرر بتاريخ 7 تشرين الثاني الماضي.
ولم تكن الحكومة موفقة إلا نسبيًا حتى الآن في مسألة التعيينات الإدارية وإن نجحت في بعضها قضائيًا ودبلوماسيًا، فالشواغر ما زالت واسعة ونافرة في العديد من الإدارات والمؤسسات العامة، علمًا أن الرئيس نبيه بري كما يبدو يتعاطى بالشاردة والواردة، ويتصرف على قاعدة المحاصصة من خلال الهيمنة على الأسماء الشيعية، وأحيانًا من خلال عرقلة التعيينات في بعض المراكز الأساسية حتى ولو كانت تعود إلى المسيحيين أو المسلمين من غير الشيعة، والمديرية العامة للجمارك هي أبرز مثال.
وإذا كان من إنجازات طيبة، فإن أبرزها تشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء في 11 أيلول الماضي، بعد طول مماطلة وما رافقها من هدر هائل، مع فتح الباب أمام تشكيل مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبان. على أن مشروع قانون الفجوة المالية يراوح بين الإنجاز والنكسة، فهو محاولة أخرى محسّنة عما طُرح في السابق، لكنه يبقى قاصرًا عن تلبية الحد الأدنى من تطلعات المودعين، الذين يبدو أن المطلوب أن يتحملوا بشكل رئيسي وزر السياسات المالية الكارثية لمن تسلم السلطة طويلًا من أهل الفساد بالتحالف مع أهل الدويلة.
وبالعودة إلى قضية حصر السلاح، فإن القرار الأبرز هو الذي أصدرته الحكومة في 5 آب الماضي، بمقاطعة الوزراء الشيعة الذين حاولوا اللعب على وتر الميثاقية ليكون الرد بأن القرار اتخذ بأكثرية الثلثين وبأكثرية الوزراء المسلمين. وعلى الرغم من اعتراض “الثنائي”، فإن القرار اتخذ ليمضي إلى التنفيذ، وقد استند في ما استند إلى إجماع الحكومة السابقة التي كان يسيطر عليها “الثنائي” وحلفاؤه على إقرار الترتيبات الخاصة بوقف الأعمال العدائية. ولعل العنوان الأبرز كان تكليف الجيش اللبناني بوضع خطة تطبيقية لحصر السلاح قبل نهاية العام، علمًا أن مجلس الوزراء استكمل في 7 آب النقاش وتوصل إلى وضع خريطة طريق لحل مستدام وفاقًا مع مضمون الورقة الأميركية في هذا الشأن.
أما في 5 أيلول الماضي، فكان الموعد في مجلس الوزراء لطرح الخطة العملانية التي أعدها قائد الجيش تطبيقًا لقرار حصرية السلاح مع إبقاء مضمون الخطة سريًا، على أن ترفع قيادة الجيش تقريرًا شهريًا في شأن المسار التنفيذي للخطة. وهو ما يحصل حتى الآن، مع تسجيل نجاح شبه كامل في حظر السلاح والمظاهر المسلحة جنوب الليطاني، علمًا أن الأنظار تركز على المرحلة التالية شمال الليطاني إذ يبدو أن الاهتمام سينصب على المنطقة الواقعة بين النهرين الليطاني والأولي، بما يعني ذلك مسألة السلاح الفلسطيني في مخيمات صور وصيدا.
اليوم، وفيما يُطبق العام 2025 جفنيه، تبقى العيون مفتوحة واسعًا على ما سيحمله العام الجديد، في ضوء استمرار الجدل حول ما يعتبره الفريق السيادي ولا سيما “القوات اللبنانية” تباطؤًا وحذرًا غير مبررين في تطبيق خطة حصر السلاح بالسرعة والفعالية المطلوبتين، في وقت يعتبر الحكم أن المسألة ليست “كوني فكانت” وأن هناك اعتبارات لا يمكن المجازفة في خوضها.
تشكيلة سيادية الطابع بفيتو ممانع وثلاثية مطلوبة للنجاح… صورة الحكومة مرآة الوطن العالق على الحافة .