لبنان 2026: استحقاقات ماليّة ونقديّة ومصرفيّة

image-1761659237.jpg

قد يصحّ القول إنّ العام 2026 سيشهد الاستحقاقات الأكثر حساسيّة منذ أكثر من ستّ سنوات، على مستوى الملفّات الماليّة والنقديّة والمصرفيّة. فعلى مستوى إعادة هيكلة القطاع المصرفي، من المرتقب -خلال الأشهر المقبلة- أن يتم حسم المسارات التشريعيّة، التي ستحدّد آليّات عمليّات توزيع الخسائر، قبل الشروع بإعادة الانتظام المالي. وهذا ما سوف يرسم طريق الخروج من الأزمة المصرفيّة القائمة منذ العام 2019، ولو أنّ تنفيذ عمليّة إعادة الهيكلة نفسها سيمتد لسنوات عديدة، كما أصبح واضحاً. وبالتوازي مع البت بهذه الخيارات الحسّاسة، سيتّضح مصير ملفّات أخرى: من الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، إلى إصلاحات الميزانيّة العامّة، وصولاً إلى السياسة النقديّة التي سيعتمدها مصرف لبنان.

مصير المصارف والاتفاق مع الصندوق

خلال الأيّام الأخيرة من العام 2025، أنهى مجلس الوزراء مناقشة مشروع قانون الفجوة الماليّة وإقراره، والذي يختص بكيفيّة معالجة الخسائر المتراكمة في القطاع المصرفي، مع التدرّج في تسديد الودائع. وبذلك، وابتداءً من شهر كانون الثاني من العام 2026، سيكون الملف على طاولة لجنة المال والموازنة، تمهيداً لمناقشة مشروع القانون وتعديله. مع الإشارة إلى أنّ طبيعة بنود المشروع قد تفرض تشكيل فرعيّة لدراسته، أو لجنة نيابيّة مشتركة. وبعد مناقشة القانون في لجنة المال والموازنة، سيكون على البرلمان مناقشته وتعديله في اللجان المشتركة، ثم الهيئة العامة، قبل إقراره. وخلال هذا المسار، ستشترك وزارتا المال والاقتصاد، إلى جانب مصرف لبنان، في تقديم الأرقام والمقاربات التي يحتاجها البرلمان لمناقشة المشروع.

في موازاة هذا المسار، سيكون البرلمان كذلك أمام استحقاق مناقشة وإقرار مشروع القانون الذي أعدتّه وأقرّته الحكومة سابقاً، لتعديل قانون إصلاح أوضاع المصارف. ومن المعلوم أنّ هذه التعديلات تطال تركيبة الهيئة المصرفيّة العليا، المُختصّة بالبت بمصير كل مصرف على حدة، فضلاً عن الهامش الممنوح للمصارف للطعن بقرارات الهيئة، وأصول إجراء عمليّات التقييم لكل مصرف قبل اتخاذ القرار بشأنه. وتماماً كحال قانون الفجوة الماليّة، سيكون على مشروع القانون أن يمرّ أولاً بلجنة المال والموازنة، قبل مناقشته في اللجان المشتركة، ثم إقراره في الهيئة العامّة للبرلمان.

بهذا الشكل، في حال تم إقرار القانونين، من المّرجّح أن يكون لبنان قد ذلّل أهم العوائق التي حالت سابقاً دون الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، ولو على مستوى الموظفين أولاً. وبطبيعة الحال، سيكون لدى الصندوق مجموعة من الشروط الأخرى، المرتبطة بالإصلاحات الماليّة على مستوى الميزانيّة العامّة، وبدء الخطوات المطلوبة لإعادة هيكلة الدين السيادي، بما في ذلك إطلاق المفاوضات مع حملة سندات اليوروبوند.

أخيراً، وفي حال تذليل العقبات الموجودة على طريق صندوق النقد الدولي، سيكون بإمكان لبنان إطلاق مسارات أخرى تنتظر إنجاز هذا الاتفاق، وخصوصاً على مستوى مؤتمر المانحين لإعادة الإعمار، ومؤتمر الدعم المخصّص لمؤازرة التعافي المالي. لكن من المرجّح أيضاً أن ترتبط هذه المؤتمرات بشروط ذات طابع سياسي، وخصوصاً على مستوى تفاهمات وقف إطلاق النار في الجنوب، المرتبطة بدورها بعمليّة حصر السلاح. وكل هذه التفاهمات، ستتأثّر بالتوازنات والتجاذبات التي تجري إقليمياً، بين القوى التي تملك تأثيراً على الوضع اللبناني.

ملفّات ماليّة أخرى

خلال الأسابيع الماضية، أنجزت لجنة المال والموازنة تقدماً على مستوى مناقشة وتعديل موازنة العام 2026، التي أقرّتها سابقاً الحكومة. ومن المفترض أن تتمكّن اللجنة من إقرار الموازنة خلال النصف الأوّل من شهر كانون الثاني، وفقاً لتصريحات ووعود رئيس اللجنة إبراهيم كنعان. بهذا الشكل، سيكون أمام البرلمان مهلة نصف شهر لإقرار الموازنة المُعدّلة في الهيئة العامّة، وهو ما يستلزم تأمين نصاب انعقاد الهيئة على مدى عدّة جلسات متتالية. وفي حال عدم إقرار الموازنة خلال هذا الموعد، ستمتلك الحكومة صلاحيّة إصدار الموازنة (غير المعدّلة) بمرسوم.

من جهة السية الماليّة للدولة، من المهم التنويه بأنّ صندوق النقد كان قد وجّه ملاحظات على مشروع قانون موازنة العام 2026. ومنها على سبيل المثال عدم لحظ النفقات المتوقّعة، والتي سيجري تمويلها عبر قروض أو دعم دولي. كما طالب الصندوق السلطات اللبنانيّة بالنظر في إصلاح السياسة الضريبيّة، لإتاحة الحيّز المالي اللازم للنفقات ذات الأولويّة، ومنها تلك المرتبطة بإعادة الإعمار والحماية الاجتماعيّة. وعبّر الصندوق عن قلقه إزاء إلغاء الضريبة على المحروقات، ما يثير مخاوف كبيرة حول قدرة الحكومة على تمويل نفقاتها.

على المستوى النقدي، لا يوجد ما يطرح شكوكاً حول قدرة مصرف لبنان على الدفاع عن سعر الصرف القائم. فخلال معظم فترات العام 2025، كان المصرف المركزي قادراً على زيادة احتياطات العملة الأجنبيّة المتوفّرة لديه، عبر شراء الدولارات من السوق. وفي الوقت نفسه، لم تشهد الكتلة النقديّة المتداولة بالليرة -خارج مصرف لبنان- أي زيادات وازنة تُذكر. وهذا ما يؤشّر إلى أنّ المصرف المركزي يمتلك الأدوات اللازمة للتدخّل في السوق، والحفاظ على توازنات العرض والطلب. ومن البديهي التذكير بأنّ المصرف يستفيد حالياً من الفوائض التي تحقّقها الميزانيّة العامّة للدولة بالليرة، والتي يجري إيداعها في مصرف لبنان، لامتصاص الليرات من السوق وتحقيق هذا الاستقرار النقدي.

أخيراً، وخلال العام 2026، من المرتقب أن يُثبّت مصرف لبنان أدوات السياسة النقديّة المُعتمدة لديه، لتداول العملات الأجنبيّة. فمنصّة التداول بالعملات الأجنبيّة، التي وعد المصرف المركزي بإطلاقها منذ العام 2023، لم تبصر النور منذ ذلك الوقت، بسبب الظروف الأمنيّة التي استجدّت منذ أواخر ذلك العام. أمّا اليوم، وبالتوازي مع إجراء المعالجات الماليّة والمصرفيّة، سيكون في إمكان المصرف المركزي الانتقال إلى مرحلة أخرى أكثر شفافيّة، على مستوى التدخّلات في سوق القطع.

لبنان 2026: استحقاقات ماليّة ونقديّة ومصرفيّة .

Facebook
WhatsApp
Telegram
X
Threads
Skype
Email
Print