في رواية “وشوشات في موقع عسكري سوري” كلام عن ضابط سوري: “كان سلمان يزدري بداء النعمة المفاجئة، كما كان يسميها، الذي تفشّى كالوباء بين رفاقه الضباط، بفعل الإفساد الذي أتقنه بعض اللبنانيين، من رجال أعمال وسياسيين ومبيّضي أموال وتجار مخدرات وممنوعات وأصحاب حاجات شتى، كانوا يتوسلون رشوة أصحاب النفوذ من العسكريين السوريين لبلوغ حاجاتهم. هؤلاء الضباط، كانت غالبًا أصولهم من بيئة محرومة من مظاهر الترف، فكانوا يغرقون بسرعة…”. هذا الكلام يعني أن الكثيرين من اللبنانيين لم يكونوا مجرد ضحايا خلال فترة الوجود السوري، بل جزء من أدوات الإذلال والتنمر والفساد.
كان من المنطقي والإنساني أن يمر موت باسل الأسد في حادث سير، منذ ثلاثة عقود، بشكل عادي، أي أن يحزن أهله ومعارفه، ومن بعدها تنطوي صفحة كصفحات أخرى مماثلة لشاب يقود سيارته بسرعة، ثم يفقد السيطرة وتنتهي حياته، كحيوات مئات وربما آلاف الشبان الذين يقضون يومياً على الطرقات. فموت العزيز دعوة منطقية للحزن على الفقد، كما التعاطف المضبوط من قبل آخرين غير معنيين بالفقيد. لكن مأساة باسل الأسد هي في كونه ابن الطاغية، وربما مشروع طاغية كان سيرث عرش والده بعد عمر مديد أنتج الموت والسجن والخراب والذل، ليس فقط لضحاياه المباشرين في السجون التي نضحت بالفظائع بعد زوال الكابوس، بل لشعبي لبنان وسوريا معًا. أقول مأساة باسل ليس لمنحه صك براءة، فلو كان بريئًا لوقف في وجه والده الطاغية، لكن مأساته تكمن في أنه، بكونه ابن الطاغية، قد حرم حتى من التعاطف في القلب والرحمات الصامتات الصادقات من قبل الناس، ولم يبق له سوى النفاق واللعنات الصامتات المكبوتات، عليه وعلى والده ووالدته وجدته وعمه وسلالة الأسد بأجمعها، ولن يكون حتى بعضهم مظلومًا، فكلهم كان مشاركًا أو متواطئًا أو ساكتًا كشيطان أخرس.
لكن الشياطين الخرس لم يكونوا محصورين في عائلة الأسد وحدها. فاللائحة غير المشرفة تضم معظمنا الذين فضلوا السكوت على السقوط في دائرة الخطر والاستهداف على طريقة “قبّل يد الظالم وادع عليها بالكسر”. لا بأس بذلك، فطبع الناس يميل إلى تجنب الخطر بالصبر بدل المواجهة، وهو عامل فسره “شارلز داروين” بالمحافظة على النوع من خلال التمايل مع عصف الرياح كالأعشاب بدل تحمل خطر الاقتلاع كشجرة شامخة.
ما لنا ولكل ذلك، فإن كان من حق أغلبية الناس الصمت والصبر، فإن الإشكال هو في المبالغة في التذلل والانبطاح أمام الطاغية في سبيل أوهام مصالح ومناصب، أو لخوف رعديد من احتمال الاستهداف. وإن كان من المنطقي تفهم تردد عامة الناس واكتفائهم بدور العشب المائل، فما لا يجب تفهمه ولا تناسيه هو دور من كنا نظنهم أشجار حور أو زيتون أو حتى أرز، فلا أنتجوا ظلًا كالحور ولا زيتًا كالزيتون ولا رمزاً وطنيًا كالأرز. تسابق هؤلاء للبكاء والنحيب والمبالغة بالحزن، فنكسوا الرايات ونحروا الخراف وهبوا زرافات ووحدان ليراهم الطاغية، أو أحد عيونه، وهم يقومون بفروض النفاق بالعزاء. هذا لا يعني أن الطاغية قد خدع بجيشان المشاعر ولا بسيل التعاطف، فكل ذلك غير مهم له، لأن الخوف والمصالح والخضوع أضمن من المشاعر الصادقة.
كل ذلك يبقى مقبولًا على مضض، لو سارت الأمور بالتزاحم لتقديم التعازي تحت ستار “الواجب الاجتماعي” فحسب، لكن المهين هو قيام من هم مؤتمنين على شؤون الناس في لبنان باغتصاب قرارهم، بتدشين شوارع باسم “الشهيد” الذي مات فداء للأمة وهو يقود سيارة بسرعة على طريق سريع، أو حتى ضمن الشوارع الضيقة، لمجرد أنه يمكنه اجتياح مواطن عاثر الحظ من دون أن يحاسبه أحد، كما أنه يمكنه الفوز في مسابقات ركوب الخيل للسبب ذاته، وهو كونه ولي عهد الديكتاتور وخليفته المؤكد على رؤوس الناس، أكانوا حشائش أم أشجار، لولا حكم الأقدار.
أذكر يومها أن بواب البناء، حيث كنت أسكن، أخذ إجازة من دون إعلام سكان البناء لمدة ثلاثة أيام للمشاركة بمظاهر “الحزن”، ربما لأنه ظن أن مشاركته سترقيه من منصب بواب البناء إلى ناطور الشارع! لكنني عندما سألته عن سبب غيابه غير المبرر، نظر في عيني من دون تردد قائلًا “هل الذي مات ابن أي كان لتسألني عن سبب غيابي؟”. فهمت عندها أن الخوف من جبروت الطاغية غير محصور بأصحاب المصالح، بل بكل الناس الذين يفضلون دور الحشائش على الوقوف في وجه العواصف. صحيح أن الناس عادت ونكلت بالتماثيل المنصوبة في مدن وقرى لبنان نفاقًا أو قسرًا، أكانت للطاغية الأب أو الابن الميت أو أخيه الطاغية الصغير، لكن الشوارع المكرسة باسمهم بقيت تئن لسنوات طوال حتى بعد خروج العسكر.
من تلك الشوارع كان المسمى باسل الأسد في طرابلس، المدينة التي نكل بها الطاغية بأشكال مختلفة وبمجازر موصوفة ودمار متكرر، وعومل أهلها كأعداء وحرموا من كل ما يسر ويبهج، ورغم ذلك، بقيت أسماء الطغاة على شوارعهم تذكرهم بالمر العلقم، وتذكر آباء وأمهات فقدوا أولادهم في غياهب السجون ولم يعد منهم أحد.
لم يكن محمد شطح (اغتيل في 27 كانون الأول 2013)، الذي أعرفه حق المعرفة، يسعى لتنظم به القصائد أو تبنى له النصب ولا حتى أن يسمى شارع باسمه. فمنذ اليوم الذي كان يصعد الدرج الطويل المؤدي إلى مدرسة الأمريكان في طرابلس، والتي تحولت لاحقًا إلى معتقل للمخابرات الأسدية.. كان يحلم فقط بالصعود بالعلم إلى أعلى المستويات، ليس لمجد العلم وحده، بل ليعود ويخدم الناس بصمت ومن دون استعراضات. ولكن تواضع العلم يرعب الطغاة، فالجهل هو سلاحهم الوحيد للاستمرار. استهدف محمد شطح لذاته أولًا، وليبث الرعب في قلوب من مثله. من مثل محمد شطح هم الأولى بالتكريم والاستذكار ورد الجميل والاعتبار. لم يرهنوا أنفسهم بالخضوع والزحف على العتبات الفاسدة من أجل منصب ذليل يحركه الطاغية من وراء الستار.
عسى اسم محمد شطح يمحو ذاكرة الذل من الزمان والمكان.
ما بين شارع محمد شطح وشارع باسل ومحو ذاكرة الذل .