يجد لبنان نفسه اليوم أمام لحظة مفصلية تتمثل في مواجهة ثلاثة تحديات تأسيسية سترافقه في المرحلة المقبلة، وتشكل معيارا حقيقيا لقياس جدية السلطة في إعادة بناء الدولة.
هذه التحديات مترابطة عضويا، وتمس جوهر الكيان اللبناني وهي: السيادة والاستقرار والازدهار الاقتصادي، بحيث إن أي معالجة مجتزأة أو مؤجلة لأحدها ستبقي البلاد عالقة في دائرة الانهيار نفسها، مهما تبدلت الظروف الإقليمية أو الدولية.
وقال مصدر سياسي رفيع لـ «الأنباء»: «التحدي الأول يتصل باستكمال استعادة سيادة الدولة واحتكارها الحصري للسلاح، ولاسيما في إطار المرحلة الثانية شمال الليطاني، مشددا على أن هذا الملف لا يمكن اختزاله في كونه مطلبا دوليا أو نتيجة ضغوط خارجية، بل هو في جوهره مطلب لبناني مزمن تراكم منذ عقود، منذ لحظة كسر منطق الدولة الواحدة وفتح الباب أمام السلاح الخارج عن الشرعية، وما تبعه من حروب مفروضة ودمار متكرر واستنزاف للاقتصاد والمجتمع».
وأضاف المصدر «أثبتت التجربة أن ربط لبنان بمحاور وصراعات لا يملك قرارها لم يوفر حماية، بل عمق العزلة وراكم الخسائر. واستعادة الدولة لقرارها الأمني والعسكري وضبط الحدود والتفاوض باسم اللبنانيين تشكل المدخل الإلزامي لإخراج البلاد من حالة الحرب الدائمة وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة القادرة والمسؤولة. والجهود الرئاسية المبذولة لتجنيب لبنان جولة جديدة من المواجهة تمثل فرصة حقيقية، لكنها تبقى ناقصة ما لم تقابل بإرادة داخلية تسهل هذا المسار وتؤسس لمصالحة فعلية مع فكرة الدولة».
وتابع المصدر «التحدي الثاني يرتبط مباشرة بالاستقرار المالي والنقدي عبر معالجة ملف الفجوة المالية والعودة إلى الانتظام المالي. وهذا الملف يشكل حجر الزاوية في استعادة الثقة بلبنان داخليا وخارجيا، وفي إعادة بناء القطاع المصرفي وجذب الاستثمار ووضع حد للاقتصاد النقدي والاقتصاد الأسود، الذي لا ينفصل بدوره عن أزمة السيادة والتهريب وتفلت الحدود».
وحذر من أن «خطورة هذا التحدي تكمن في كيفية مقاربته، إذ لا يمكن إقرار أي قانون بشكل شكلي أو تقني فقط، بل يجب أن يستند إلى معايير العدالة، وفي طليعتها رد أموال المودعين المشروعة ولو ضمن مسار تدريجي واقعي، لأن ما جرى خلال السنوات الماضية أظهر بوضوح أن سوء إدارة هذا الملف فاق في كلفته أسباب الانهيار نفسها، وأدى إلى تعميق فقدان الثقة بين المواطن والدولة. وبالتالي لابد من مقاربة مسؤولة تقوم على تعاون فعلي بين السلطات بعيدا من منطق التعطيل والصدام، لأن أي مواجهة جديدة ستعيد إنتاج الشلل وتؤخر الخروج من الفجوة المالية».
وشدد المصدر على أن «التحدي الثالث يتمثل في ملف الانتخاب بوصفه اختبارا مباشرا لصدقية السلطة الجديدة وخياراتها الإصلاحية، لأن إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري مسألة سيادية بامتياز، إذ إن أي تأجيل سيفسر كضربة مباشرة لفكرة الدولة ولمنطق التداول الديموقراطي، وأهمية الموعد لا تقل عن أهمية التمثيل، بحيث تعكس الانتخابات الإرادة الفعلية لجميع اللبنانيين المقيمين والمغتربين وتكفل حقهم في اختيار ممثليهم من أماكن إقامتهم، وهذا البعد يشكل ركيزة أساسية لإعادة ربط اللبنانيين بدولتهم وإعادة ضخ الحياة في النظام السياسي عبر شرعية متجددة.
ورأى أن لبنان يقف أمام مسارات متداخلة لا يمكن فصلها. فلا سيادة من دون قرار أمني واحد، ولا استقرار من دون نظام مالي عادل وشفاف، ولا ازدهار من دون مؤسسات دستورية فاعلة، والاستمرار في إدارة الأزمات بعقلية التسويات المؤقتة لم يعد خيارا قابلا للحياة.
لبنان أمام امتحان السيادة والاستقرار والازدهار ثلاثة تحديات تأسيسية لا تحتمل التأجيل .