

كتبت صحيفة نيويورك تايمز: لم يكن فشل نائب الرئيس “جي دي فانس” في انتزاع التنازلات التي تسعى إليها الولايات المتحدة من إيران، خلال جلسة تفاوضية ماراثونية واحدة حول برنامجها النووي، بالأمر المفاجئ. ولكن، ماذا بعد؟
يضع هذا الفشل إدارة ترامب أمام خيارات عدة مريرة: فإما الدخول في مفاوضات مطولة مع طهران بشأن مستقبل برنامجها النووي، أو استئناف حرب تسببت بالفعل في أكبر اضطراب لإمدادات الطاقة في العصر الحديث، واحتمالية نشوب صراع طويل الأمد حول السيطرة على مضيق هرمز.
وصرح مسؤولون في البيت الأبيض بأنهم سينتظرون قرار الرئيس ترامب، الذي توجه إلى فلوريدا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع وحضور مباراة في “بطولة القتال النهائي” (UFC)، ليعلن عن الخطوة التالية للإدارة، ومع ذلك، فإن كل مسار من هذه المسارات يحمل تبعات إستراتيجية وسياسية سلبية جسيمة.
ولم يفصح السيد فانس إلا بالقليل عما دار خلال أكثر من 21 ساعة من المفاوضات، ملمحاً إلى أنه قدّم للإيرانيين مقترحاً نهائياً (إما القبول أو الرفض) لإنهاء برنامجهم النووي للأبد، لكنهم رفضوه.
وقال فانس للصحفيين: “لقد أوضحنا خطوطنا الحمراء تماماً، والأمور التي نحن على استعداد للتساهل فيها”، مضيفاً: “لقد اختاروا عدم قبول شروطنا”.
ولا يبدو أن هذه المفاوضات اختلفت كثيراً عن تلك التي انتهت بطريق مسدود في جنيف أواخر فبراير، والتي دفع حينها السيد ترامب لإصدار أوامر بشن ما أصبح لاحقاً 38 يوماً من الهجمات بالصواريخ والقصف في أنحاء إيران، استهدفت مخازن الصواريخ والقواعد العسكرية والقاعدة الصناعية التي تنتج الأسلحة الجديدة.
بيد أن رهان السيد ترامب، الذي وصفه عدة مرات خلال الشهر الماضي، كان قائماً على فكرة أن إيران ستغير موقفها بمجرد مواجهة استعراض ضخم للقوة العسكرية الأمريكية، بعد إصابة أكثر من 13 ألف هدف وفقاً لوزارة الدفاع (البنتاغون). أما الإيرانيون، فقد صمموا من جانبهم على إظهار أن أياً كان حجم الذخيرة الأمريكية، فإنه لن يجبرهم على التراجع.
وقالت وزارة الخارجية الإيرانية في بيان لها بينما كان السيد فانس يتوجه إلى مطار عسكري للمغادرة نحو بلاده خالي الوفاض حتى الآن: “إن الخسارة الفادحة لكبار قادتنا وأعزائنا ومواطنينا جعلت استجابتنا لمتابعة حقوق ومصالح الأمة الإيرانية أكثر حزماً من أي وقت مضى”.
ربما يتغير هذا الموقف لاحقاً، لكن خشية الإدارة من الانزلاق في حوار معقد وطويل الأمد مع إيران تبدو ملموسة؛ إذ يعتقد السيد ترامب أنه خرج منتصراً من الصراع، وبالتالي، كما يرى المبعوث الخاص “ستيف ويتكوف”، فإنه يتعين على إيران ببساطة “الاستسلام”.
لكن التاريخ لا يدعم هذا التصور؛ فآخر اتفاق كبير بين طهران وواشنطن تم التوصل إليه خلال إدارة أوباما، استغرق التفاوض بشأنه عامين، وكان مليئاً بالتنازلات المتبادلة، بما في ذلك السماح لإيران بالاحتفاظ بكمية صغيرة من مخزونها النووي، ورفع القيود تدريجياً عن أنشطتها النووية حتى عام 2030.
غير أن الطريق المسدود الذي واجهه السيد فانس كان في جوهره هو نفسه الذي عرقل المفاوضات في أواخر فبراير، مما دفع ترامب لشن الهجوم. (أدار تلك المفاوضات آنذاك السيد ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر الرئيس، اللذان كانا حاضرين في إسلام آباد خلال مفاوضات الساعات العشرين الماضية).
حينها، عرض الإيرانيون “تعليق” عملياتهم النووية لبضع سنوات، لكنهم رفضوا التخلي عن مخزوناتهم من اليورانيوم القريب من درجة النقاء المطلوبة لصنع القنابل، أو التنازل الدائم عن قدرتهم على تخصيب اليورانيوم على أراضيهم. وبالنسبة للإيرانيين، فهذا حقهم بصفتهم من الموقعين على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي تلزمهم بعدم صنع سلاح نووي أبداً. أما بالنسبة للأمريكيين، فهو ما وصفه ويتكوف بأنه “دليل” على أن إيران تريد دائماً إبقاء خيار بناء سلاح نووي جاهزاً، حتى لو لم تمارس هذا الخيار أبداً.
ويبدو أن ثمانية وثلاثين يوماً من الحرب قد عززت وجهة النظر تلك ولم تضعفها.
وتكمن أداة الضغط الرئيسية للسيد ترامب الآن في قدرته على التهديد باستئناف العمليات القتالية الكبرى، فمن المقرر أن ينتهي وقف إطلاق النار الهش الذي استمر أسبوعين في 21 أبريل، ولكن، في حين أن التهديد باستئناف القتال قد يُستدعى في الأيام المقبلة، إلا أنه لا يمثل خياراً سياسياً قابلاً للتطبيق بشكل خاص لترامب، والإيرانيون يدركون ذلك.
فقد أعلن ترامب وقف إطلاق النار الأسبوع الماضي إلى حد كبير لتخفيف حدة الألم الناجم عن خسارة 20% من إمدادات النفط العالمية، مما أدى لارتفاع أسعار الوقود ونقص في الأسمدة وغاز الهيليوم الضروري لإنتاج أشباه الموصلات. وقد انتعشت الأسواق بآمال التوصل لاتفاق، حتى لو كان غير مكتمل. وإذا استؤنفت الحرب، فمن المرجح أن تتراجع الأسواق، وتتفاقم حالات النقص، ويرتفع التضخم، الذي وصل بالفعل إلى 3.3%، بشكل حتمي تقريباً.
ويظل الموضوع الأكثر إلحاحاً هو إعادة فتح مضيق هرمز؛ ففي الوصف الإيراني للاجتماع، وُضع هذا الملف على رأس قائمة القضايا التي نوقشت.
وقالت الخارجية الإيرانية في بيانها: “خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، جرت مناقشات حول أبعاد مختلفة للمواضيع الرئيسية، بما في ذلك مضيق هرمز، والمسألة النووية، وتعويضات الحرب، ورفع العقوبات، والإنهاء الكامل للحرب ضد إيران”.
وكانت تلك قائمة لافتة، خاصة وأن إغلاق المضيق لم يكن قضية مطروحة إلا بعد بدء الحرب وقرار الإيرانيين استخدام سلاحهم الأقوى لإثارة الفوضى الاقتصادية.
والآن، أصبح التحكم في الممر المائي مرتبطاً بمطالب إيران الأخرى، بما في ذلك دفع الولايات المتحدة تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها جراء القصف الصاروخي، ورفع عقوبات مفروضة منذ أكثر من عقدين، وقد رفضت الولايات المتحدة المطلب الأول، وأكدت أن المطلب الثاني لا يمكن أن يتم إلا ببطء، وتزامناً مع تنفيذ الإيرانيين لالتزاماتهم.
إن ما أوضحته رحلة السيد فانس هو أن كلا الجانبين يعتقد أنه خرج منتصراً من الجولة الأولى: الولايات المتحدة بإسقاط كم هائل من الذخيرة على إيران، والإيرانيون بصمودهم وبقائهم، ولا يبدو أن أي طرف في حالة تسمح له بتقديم تنازلات.
The post هكذا قرأت نيويورك تايمز فشل المفاوضات appeared first on ArabFiles.news.





