

كتبت هلا أبو نادر القسيس : بعد إعلان هدنة مؤقتة لوقف الحرب لمدة أسبوعين، بدا المشهد الإقليمي وكأنه يدخل مرحلة إعادة تموضع، أكثر منه اتجاهًا نحو تسوية فعلية. ففي حين أظهرت إيران قدرة على الصمود وتحسين موقعها النسبي، برزت الصين وروسيا كقوى مستفيدة من إعادة تشكيل التوازنات الدولية، فيما تسعى باكستان إلى تثبيت دور سياسي تفاوضي، وتواصل عُمان لعب دورها كقناة تسهيل دبلوماسي واقتصادي.
في المقابل، تتزايد الانتقادات لأداء كل من إسرائيل والولايات المتحدة، على خلفية العمليات العسكرية وتداعياتها الإنسانية. غير أن هذا السجال، على أهميته، لا يغيّر من واقع ميداني مستمر: استهداف متكرر للبنى المدنية، وسقوط ضحايا من المدنيين، في مشهد يعمّق الإحساس باللاعدالة، ويزيد من تعقيد المشهد.
أما لبنان، فيخرج مرة جديدة كأحد أبرز الخاسرين—اقتصاديًا، عسكريًا، سياسيًا وداخليًا—والأخطر، من دون أي دور فعلي في مسار التفاوض. هذا الغياب لا يعكس فقط ضعف التمثيل، بل يكشف خللًا بنيويًا في موقع الدولة نفسها، التي تبدو عاجزة عن تحويل سيادتها النظرية إلى قدرة فعلية على الفعل والتأثير.
في ظل هذا الواقع، يتراجع الموقع التفاوضي الرسمي إلى حدّ التهميش، حيث تفقد رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة القدرة على فرض حضور سياسي وازن، أو حتى الدفاع الفعّال عن مصالح لبنان. ومع غياب القدرة على ضبط السلاح خارج إطار الدولة، يصبح القرار السيادي مجزأ، وتتحول المؤسسات إلى أطر شكلية لا تعكس موازين القوى الحقيقية على الأرض.
هذا الاختلال لا يمرّ من دون نتائج. إذ تجد إسرائيل في ضعف الدولة اللبنانية مدخلًا لتوسيع نطاق عملياتها، مستندة إلى ذرائع أمنية، لكنها عمليًا تؤدي إلى استهداف واسع للأراضي اللبنانية، بما في ذلك مناطق مدنية وبنى سكنية، ما يفاقم الكلفة الإنسانية ويعمّق الأزمة الوطنية.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا الواقع عن إشكالية داخلية مزمنة، تتمثل في ازدواجية القرار الأمني والعسكري. فحين يُدار جزء من الصراع خارج مؤسسات الدولة، تتآكل قدرتها على حماية مواطنيها، وتتراجع شرعيتها، ليس فقط أمام الخارج، بل أيضًا في نظر مواطنيها.
وهنا تبرز المفارقة الأخطر:
لبنان ليس خارج الصراع، لكنه ليس صاحب قرار فيه.
يتأثر بنتائجه، لكنه لا يملك أدوات التحكم بمساره.
في هذا السياق، يصبح المجتمع اللبناني أمام ضغط مزدوج:
ضغط خارجي يتمثل في الاعتداءات والتصعيد،
وضغط داخلي ناتج عن التوترات الاجتماعية، والنزوح، وتآكل الثقة بين المكونات.
ومع كل جولة تصعيد، تتسع فجوة القلق، وتزداد احتمالات الاحتكاك الداخلي، في ظل بيئة مشحونة، وقدرة محدودة على التمييز بين الوقائع والانطباعات، ما يهدد النسيج الاجتماعي الهش.
لكن، أبعد من السياسة والميدان، يفرض الواقع سؤالًا جوهريًا:
ما الذي يبقى من الدولة حين تفقد قدرتها على الحماية؟
وما معنى السيادة حين لا تُترجم إلى فعل؟
إن استمرار هذا المسار يضع لبنان أمام معادلة قاسية:
عنف خارجي لا يمكن تبريره,
واختلال داخلي لا يمكن تجاهله
ومن هنا، لم يعد ممكنًا التعامل مع المشهد بمنطق الاصطفاف،
ولا تبرير الكلفة الإنسانية تحت أي عنوان.
فالاعتداء الوحشي
يفقد مبرراته—أيًا كان مصدره.
والدولة، حين تعجز عن احتكار القرار،
تفقد معناها—أيًا كانت شرعيتها.
إن الخروج من هذا المأزق لا يكون عبر إعادة التموضع ضمن المحاور،
بل عبر إعادة بناء الداخل:
دولة قادرة،
قرار موحّد،
ومؤسسات تمتلك فعلًا—لا شكلًا—سلطة السيادة.
فمن دون ذلك،
سيبقى لبنان ساحة،
وسيظل شعبه يدفع الثمن.
وفي لحظة كهذه،
لا يكفي توصيف الأزمة،
بل لا بد من كسرها.
لأن الرهان اليوم،
لم يعد على موازين القوى،
بل على بقاء الدولة نفسها.
The post لبنان: حين يفقد العنف مبرراته… وتفقد الدولة معناها appeared first on ArabFiles.news.




