Day: December 31, 2025

  • تحذير زلزالي جديد… توقّعات هوغربيتس في مطلع كانون الثاني تقلق!

    تحذير زلزالي جديد… توقّعات هوغربيتس في مطلع كانون الثاني تقلق!

    قدّم فرانك هوغربيتس، مساء الثلاثاء، تحديثًا لقراءته المرتبطة بحركة الكواكب وانعكاساتها المحتملة على النشاط الزلزالي، محذّرًا من احتمال وقوع زلزال كبير مع مطلع العام المقبل، وتحديدًا في 4 كانون الثاني.

    وأوضح أنّ الاقترانات الكوكبية بين عطارد والشمس وأورانوس، إلى جانب اقتران الأرض وأورانوس والقمر، قد تشكّل مؤشرًا إلى نشاط زلزالي قوي، مشيرًا إلى تقارب دقيق يُتوقّع في 3 كانون الثاني، مع صعوبة الجزم بحجم أي زلزال محتمل بسبب تعقيدات قياس الإجهاد التكتوني بين الصفائح.

    وتابع أنّ ذروة النشاط الزلزالي قد تُسجَّل في 8 أو 9 كانون الثاني، داعيًا إلى توخّي الحذر الشديد ابتداءً من 7 كانون الثاني، ومحذّرًا خصوصًا سكان لوس أنجلوس وطوكيو وإسطنبول من مخاطر الصدوع في هذه المناطق، مع التشديد على ضرورة الجهوزية ووضع خطط لمواجهة الزلازل الكبرى.

    تحذير زلزالي جديد… توقّعات هوغربيتس في مطلع كانون الثاني تقلق! .

  • ماذا بعد كلام ترامب عن وضع الحكومة اللبنانية غير الموآتي؟

    ماذا بعد كلام ترامب عن وضع الحكومة اللبنانية غير الموآتي؟

    انتظر جميع اللبنانيين، بمن فيهم بيئة “حزب الله”، ما سيسفر عنه لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من نتائج على أرض الواقع، في ضوء ما تم التصريح به قبل اللقاء وبعده، على أن تتبلور الصورة في الأيام المقبلة، التي ستلي هذا اللقاء. إلاّ أن ما صرّح به الرئيس الأميركي، ولدى سؤاله عمّا إذا كان على إسرائيل أن تهاجم “حزب الله” بعدما حصل إخفاق في اتفاق وقف الأعمال العدائية، قد شكّل صدمة
    للحكومة اللبنانية قبل غيرها، خصوصًا أنه شكّك في قدرتها على حسم الأمور في ما له علاقة بموضوع “حصرية السلاح”، وقال “الحكومة اللبنانية في وضع غير موآتٍ بعض الشيء، و”حزب الله” يتصرف بشكل سيئ، سنرى ماذا سيحدث”.

    إلاّ أن هذا الانتظار يُظهر مدى تعلّق اللبنانيين بـ “حبال الهواء” تمامًا كمن يستجدي الماء في صحراء قاحلة وماحلة. أمّا الذين يتعاطون مع هذا اللقاء بكثير من الواقعية السياسية فيقولون في سرّهم ما سبق أن قيل قبل الفي سنة “هل يُطلب من العوسج أن يثمر عنبًا أو تينًا”.

    هذا الانتظار، على سذاجته أو يأسه، ليس تفصيلاً عابرًا في المزاج العام، بل هو مرآة لعجز الدولة اللبنانية المزمن عن الإمساك بزمام مصيرها. فلبنان، الذي كان يفترض أن يكون لاعبًا في محيطه، تحوّل إلى ساحة انتظار دائمة لقرارات الآخرين، وإلى رهينة طاولات التفاوض التي تُعقد فوق جراحه ومن دون حضوره.

    الرهان على نتائج لقاء ترامب – نتنياهو ليس جديدًا في قاموس السياسة اللبنانية. سبقه رهان على إدارات أميركية، وعلى مبادرات فرنسية، وعلى وساطات أممية، وعلى وعود عربية ودولية، وكلّها انتهت إلى النتيجة نفسها، وهي أن لا أحد يمنحك ما لا تطالب به بنفسك، ولا أحد يحمي دولة قرّرت طوعًا التخلّي عن عناصر قوّتها السيادية.

    الأخطر من الانتظار بحدّ ذاته هو هذا الوهم المصاحب له. وهمٌّ بأن الرئيس الأميركي، أيًا يكن اسمه أو توجهه، سيضع مصلحة لبنان فوق مصلحة إسرائيل. ووهمٌّ بأن الحكومة الإسرائيلية، التي يقودها بنيامين نتنياهو، ستتعامل مع لبنان كدولة ذات سيادة لا كخاصرة رخوة يمكن الضغط عليها ساعة تشاء. فمن كان ينتظر حلًُّا من هذا اللقاء فإنما يطلب العدل من ميزان مختلّ أصلًا.

    في المقابل، يتجاهل هذا الانتظار حقيقة أساسية، وهي أن إسرائيل لا تفاوض من موقع القلق، بل من موقع الفرض، وأن الولايات المتحدة لا تدير المنطقة بعاطفة، بل وفق حسابات القوة والمصالح.
    ولبنان، في هذه المعادلة، ليس أكثر من ورقة تُستخدم عند الحاجة، وتُهمَل عند انتفاء الغرض.

    المفارقة المؤلمة هي أن اللبنانيين، الذين علقّوا آمالهم على هذا اللقاء أو أي لقاء آخر، يدركون في قرارة أنفسهم أنه لن يحمل لهم خلاصًا. ومع ذلك ينتظرون. ليس لأنهم يثقون بنتائجه، بل لأنهم فقدوا الثقة بكل ما هو داخلي، أي بدولة مغلوب على أمرها، وبسلطة لا تملك قرار الحرب والسلم، وبمؤسسات تعاني، وفقدوا بالتالي إيمانهم بقدرة النظام السياسي على إنتاج حل أو حتى موقف.

    فالدولة الغائبة لا تُستشار عن مصيرها. والدولة المنقسمة لا يُحسب لها حساب. والدولة التي لا تملك قرار الحرب ولا قرار السلم، لا يُفاوَض باسمها، بل عليها. من هنا، يصبح انتظار نتائج لقاءات الخارج فعل عجز أكثر منه فعل أمل.

    لبنان لا يحتاج إلى قراءة متأنية في فنجان لقاء ترامب – نتنياهو، ونترك ذلك للمنجمي رأس السنة، بل يحتاج إلى قراءة جريئة لواقعه الداخلي. وأكثر من ذلك يحتاج إلى سلطة تعرف ماذا تريد، وإلى قرار سيادي واضح، وإلى دولة تقول “لا” حين يجب أن تقولها، لا أن تكتفي بانتظار ما سيتفضّل به الآخرون، وأن تحزم أمرها في كل ما له علاقة بالسيادة واستعادة دورها المحوري في الداخل وفي المنطقة.

    فمن يطلب العنب من العوسج، سيعود دائمًا خائبًا. ومن ينتظر خلاصه من طاولة الآخرين، سيبقى معلّقًا بـ “حبال الهواء”.

    فما قاله الرئيس الأميركي عن الحكومة اللبنانية و”حزب الله” يختصر مشهدية ما كان عليه الوضع في العام 2025، وما سيكون عليه في العام 2026، وهو يصبّ في خانة تصريحات المبعوث الأميركي توم برّاك حين وصف لبنان بأنه “دولة فاشلة لا تريد أن تبسط سيطرتها”.

    ماذا بعد كلام ترامب عن وضع الحكومة اللبنانية غير الموآتي؟ .

  • استياء رسمي لبناني من «حماس» لرفضها تسليم سلاحها

    استياء رسمي لبناني من «حماس» لرفضها تسليم سلاحها

    في وقت يستكمل فيه الجيش اللبناني عملية تسلُّم السلاح من المخيمات الفلسطينية في مختلف المناطق اللبنانية، تطرح الأسئلة حول مصير سلاح حركة «حماس» في لبنان، وهي التي لا تزال ترفض تنفيذ قرار الحكومة اللبنانية والاتفاق اللبناني – الفلسطيني في هذا الإطار.

    وبلغ الاستياء الرسمي اللبناني من حركة «حماس» والفصائل الحليفة لها مستويات غير مسبوقة نتيجة رفضها تسليم سلاحها المتوسط والثقيل الموجود جنوب نهر الليطاني، وبالتحديد في مخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين، علماً بأن المهلة التي حددها الجيش اللبناني لإنجاز المرحلة الأولى من قرار الحكومة «حصرية السلاح»، والتي تلحظ المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني والحدود الإسرائيلية، تنتهي نهاية عام 2025.

    ويفترض أن تعلن الحكومة في جلسة تعقدها مطلع عام 2026 إنجاز المرحلة الأولى وانتقالها لتطبيق المرحلة الثانية بمسعى منها لتجاوز التهديدات الإسرائيلية بشن جولة جديدة من الحرب «لمواجهة محاولات (حزب الله) إعادة بناء قدراته العسكرية».

    وتشدُّد «حماس» وفصائل أخرى، يطرح علامات استفهام، لا سيما أن «حزب الله» رضخ وسلّم سلاحه جنوب الليطاني، ما يهدد سلامة واستقرار مخيم الرشيدية إذا قررت إسرائيل استهداف السلاح الموجود داخله، والذي يُعتقد أن بعضه متوسط وثقيل.

    وساطات خارجية لمعالجة الملف

    وكشف مصدر رسمي لـ«الشرق الأوسط» عن «طلب لبنان وساطات خارجية لمعالجة ملف سلاح (حماس)، وعن ممارسة هذه الدول ضغوطاً على الحركة لم تؤدِ غرضها حتى الساعة». واعتبرت مصادر مواكبة لهذا الملف أن تسليم «فتح» دفعة جديدة من السلاح من مخيم عين الحلوة، الثلاثاء، «هو بمثابة محاولة جديدة للضغط على (حماس) لتسليم سلاحها».

     

    ويعبّر رئيس لجنة الحوار اللّبناني – الفلسطيني السّفير رامز دمشقية بوضوح عن الاستياء الرسمي اللبناني من موقف حركة «حماس» والفصائل الحليفة لها، وطريقة تعاطيها مع هذا الملف.

    وقال دمشقية، لـ«الشرق الأوسط»: «طالما هذه الفصائل تعلن أنها تحت سقف الدولة اللبنانية، فالمفروض بها أن تلتزم بقرارات الدولة، لا أن تلجأ للمراوغة من خلال ربط التسليم بملف الحقوق»، مضيفاً: «نعلم أن هناك حقوقاً ومطالب، ونحن نعمل على هذا الملف بجدية… لكننا نرفض أي مقايضة بين ملف وآخر».

    ويرى دمشقية أنه «لا نفع أو جدوى من اجتماعات موسعة مع الفصائل»، معتبراً أن «المطلوب من (حماس) والفصائل الحليفة التواصل مع الجيش اللبناني لتحديد مواعيد لتسليم السلاح، تماماً كما فعلت فصائل منظمة التحرير».

    وترفض حركة «حماس» و«الجهاد الإسلامي» وفصائل أخرى حليفة لها مقررات القمة اللبنانية – الفلسطينية، وترى أنه يفترض بالدولة اللبنانية حل الملف الفلسطيني في لبنان سلة واحدة؛ أي عدم إعطاء الأولوية للسلاح على الحقوق والمطالب الفلسطينية.

    وتقول مصادر «حماس» لـ«الشرق الأوسط» إنها «لا تزال تنتظر دعوة السفير دمشقية كل الفصائل للحوار بشأن ملف السلاح والملفات العالقة المرتبطة بالحقوق الفلسطينية والتفاهم على ورقة تشكل أرضية للحل»، لافتة إلى أنه «وفي اللقاء الأخير مع السفير دمشقية وعد بالدعوة لحوار مماثل، لكن ذلك لم يحصل ولم يتم توجيه أي دعوة».

     

    ويبدو محسوماً ألا خطة سياسية – عسكرية لبنانية لجمع السلاح الفلسطيني بالقوة؛ إذ تقول مصادر عسكرية لـ«الشرق الأوسط» إن «مهام الجيش في التعامل راهناً مع ما تبقى من سلاح داخل المخيمات الفلسطينية، تقتصر على منع دخول أو خروج السلاح منها، بحيث تم تشديد الإجراءات الأمنية المتخذة على المداخل والمخارج الأساسية والفرعية للمخيمات المنتشرة في كل المناطق اللبنانية».

    تسليم الدفعة الخامسة من سلاح «فتح»

    وأعلن الجيش اللبناني، الثلاثاء، أنه «واستكمالاً لعملية تسلُّم السلاح من المخيمات الفلسطينية في مختلف المناطق اللبنانية، تسلَّمَ الجيش كمية من السلاح الفلسطيني من مخيم عين الحلوة (في جنوب لبنان)، بالتنسيق مع الجهات الفلسطينية المعنية»، مشيراً إلى أنها شملت أنواعاً مختلفة من الأسلحة والذخائر الحربية، وقد تسلمتها الوحدات العسكرية المختصة للكشف عليها وإجراء اللازم بشأنها».

    من جهته، أعلنت دائرة الإعلام في الأمن الوطني الفلسطيني في لبنان (الجناح العسكري لحركة «فتح»)، في بيان، أن «قواتها استكملت، الثلاثاء، تسليم الدفعة الخامسة من السلاح الثقيل التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، وذلك في مخيم عين الحلوة – صيدا».

    وأكد الأسدي أن «هذه الخطوة تأتي تنفيذاً للبيان الرئاسي المشترك الصادر عن الرئيسين الفلسطيني محمود عباس واللبناني جوزيف عون في شهر مايو (أيار) الماضي، وما نتج عنه من عمل اللجنة اللبنانية – الفلسطينية المشتركة لمتابعة أوضاع المخيمات وتحسين الظروف المعيشية فيها».

    12 مخيماً فلسطينياً في لبنان

    ويبلغ العدد الإجمالي للاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى «الأونروا» في لبنان 489.292 شخصاً. ويقيم أكثر من نصفهم في 12 مخيماً منظماً ومعترفاً بها من قبل «الأونروا» هي: الرشيدية، برج الشمالي، البص، عين الحلوة، المية ومية، برج البراجنة، شاتيلا، مار إلياس، ضبية، ويفل (الجليل)، البداوي، ونهر البارد.

    وسُجل في الفترة الماضية، وبالتوازي مع انطلاق عملية تسليم السلاح الفلسطيني الموجود داخل المخيمات، حراك رسمي لافت باتجاه تحسين ظروف عيش اللاجئين الفلسطينيين الذين يرزح نحو 80 في المائة منهم تحت خط الفقر، ويعيشون في أوضاع صعبة جداً داخل مخيماتهم.

    وقام السفير دمشقية رئيس لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني مع مديرة شؤون «الأونروا» في لبنان، دوروثي كلاوس، بمساعٍ حثيثة مع المسؤولين اللبنانيين المعنيين بمعالجة هذا الملف، من خلال العمل على تخفيف بعض القيود المرتبطة بترميم وإصلاح المنازل، وإصدار بطاقات هوية بيومترية للفلسطينيين.

    استياء رسمي لبناني من «حماس» لرفضها تسليم سلاحها .

  • لماذا خرج السفير المصري إلى العلن؟ رسائل القاهرة تحذير ديبلوماسي ناعم

    لماذا خرج السفير المصري إلى العلن؟ رسائل القاهرة تحذير ديبلوماسي ناعم

    لم يكن المؤتمر الصحافي الذي عقده السفير المصري في لبنان علاء موسى في مقر السفارة حدثاً بروتوكولياً عادياً، ولا مجرد مناسبة لعرض موقف ديبلوماسي تقليدي، بل جاء في توقيت سياسي وأمني بالغ الحساسية، ما جعله أقرب إلى إخراج مدروس لقلق مصري متزايد من مسار التطورات في الجنوب اللبناني وفي الإقليم عموماً.

    ففيما شدد موسى على أن كلامه لا يحمل أي إنذار أو تحذير، حرص في المقابل على استخدام مفردات غير مألوفة في الخطاب الديبلوماسي الروتيني، مثل الحديث عن “عواقب وخيمة” قد تترتب على استمرار التصعيد، والتنبيه إلى أن تطور الأحداث “ينذر بمزيد من الأخطار”، ما يعكس انتقال القاهرة من مرحلة المتابعة الصامتة إلى مرحلة التعبير العلني عن القلق، في محاولة لاستباق أي انزلاق أوسع قد يصعب احتواؤه لاحقاً.

    وبحسب المعلومات، فإن القاهرة رأت في الآونة الأخيرة أن وتيرة الأخطار ارتفعت إلى مستوى يستوجب تثبيت موقف علني يحدد مرجعيات الحل ويضع الأطراف المعنية أمام مسؤولياتها السياسية والقانونية، وهو ما يفسر تركيز السفير على اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 لوقف الأعمال العدائية وعلى القرار 1701، باعتبارهما الإطار الوحيد القابل للحياة لضبط الوضع جنوباً، في غياب أي بدائل عملية أخرى.

    وفي هذا السياق، حمل كلام موسى أكثر من رسالة في اتجاهات متعددة، من دون أن يسمي الجهات المعنية مباشرة. فمن جهة، جاء تثمينه دور الدولة اللبنانية والجيش في الجنوب ليمنح المؤسسات الرسمية غطاء سياسيا، لكنه أرفقه بإشارة واضحة إلى أن هذا الدور غير كافٍ وحده، وأن هناك أطرافاً أخرى مطالبة بالتزام الاتفاقات الموقعة وعدم الانزلاق إلى خطوات أحادية قد تفتح الباب أمام تصعيد لا يمكن التحكم في مساره.

    ومن جهة أخرى، شكّل تأكيده أن مصر على تواصل مع الجانب الإسرائيلي لحضه على التزام الاتفاق، إشارة نادرة في العلن إلى أن القاهرة ترى في السلوك الإسرائيلي عنصرا أساسيا في معادلة التوتر، وتستخدم قنواتها السياسية للضغط في اتجاه ضبط النفس، ولو بصيغة هادئة وغير تصادمية.

    أما الإشارة إلى التنسيق مع الولايات المتحدة واللقاءات الدولية والإقليمية المرتبطة بالملف، ولاسيما التوقف عند لقاء ترامب – نتنياهو، فتعكس رغبة مصر في تثبيت موقعها لاعبا أساسيا في مسار التهدئة، وفي تحميل المجتمع الدولي، ولاسيما القوى الكبرى، جزءاً من مسؤولية منع الانفجار إذا ما فشلت الجهود الجارية.

    وفي موازاة البعد الأمني والسياسي، حرص السفير المصري على إبراز الشق الثنائي من العلاقات عبر التذكير بزيارة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي لبيروت، وبالتعاون في ملف الطاقة، في محاولة لربط التهدئة بالأفق الاقتصادي، وإظهار أن الاستقرار ليس هدفاً في ذاته، بل هو شرط لإطلاق مسارات دعم عملي للبنان في ملفات حيوية.

    في المحصلة، لا يمكن فصل توقيت المؤتمر عن شعور مصري بأن هامش المناورة يضيق، وأن الانتقال إلى العلن بات ضرورة سياسية أكثر منه خيارا إعلاميا. فالرسالة التي أرادت القاهرة إيصالها ليست تهديداً، لكنها أيضاً ليست مجرد طمأنة، بل أقرب إلى تحذير ديبلوماسي ناعم يقول إن الطريق الحالي محفوف بالأخطار، وإن العودة إلى الاتفاقات القائمة هي السبيل الوحيد المتاح لتفادي الأسوأ، وإن مصر اختارت أن تقول ذلك علناً قبل فوات الأوان.

    لماذا خرج السفير المصري إلى العلن؟ رسائل القاهرة تحذير ديبلوماسي ناعم .

  • منها “درع الساحل”.. هل تتلقي ميليشيات سورية دعماً من إيران؟

    منها “درع الساحل”.. هل تتلقي ميليشيات سورية دعماً من إيران؟

    في الأوقات التي تشهد فيها سوريا اضطرابات، تتوجه أصابع اللوم إلى إيران، على اعتبار أنها أحد أبرز الخاسرين من سقوط نظام الأسد، حليفها الأبرز، وخصوصاً لفقدانها طريق الإمداد إلى حليفها اللبناني “حزب الله”.

     ما يعطي المصداقية لهذا التصور هو أن التشكيلات والميليشيات التي شكلها فلول النظام السابق تتخذ ذات اللغة وذات النهج الذي لطالما اتبعته كل الميليشيات التابعة لطهران في المنطقة، ما تعكس مؤشرات على تلقيها دعماً إيرانياً، رغم أنه ليس مؤكداً بعد.

    ومن بين تلك التشكيلات كانت “سرايا الجواد” و”درع الساحل” التي تسلل بعض أفرادها إلى مظاهرات خرج فيها أشخاص من الطائفة العلوية في مناطق الساحل السوري، يطالبون بـ”الفيدرالية وحق تقرير المصير” هذا الأسبوع. 

    طوفان الكرامة

    وجاءت الاحتجاجات تحت اسم “طوفان الكرامة” استجابة لدعوة أطلقها الشيخ غزال غزال، رئيس بـ”المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر”، السبت الماضي. 

    شهدت هذه المظاهرات أعمال عنف ضد قوى الأمن الداخلي قام بها عدد من “فلول” النظام في اللاذقية وريف طرطوس، وفق ما قالت وزارة الداخلية السورية، وأدت إلى مقتل عنصر وأصابت آخرين. 

    وقال مدير الأمن الداخلي في اللاذقية، العميد عبد العزيز الأحمد، إنه جرى رصد تواجد عناصر ملثمة ومسلحة تتبع لما يسمى “سرايا درع الساحل” و”سرايا الجواد” الإرهابيتين خلال المظاهرات في اللاذقية. 

    واتهم الأحمد تلك الميليشيات بـ”القيام بعمليات تصفية ميدانية وتفجير عبوات ناسفة”، الداخلية نفسها كانت قد أعلنت تنفيذ عمليات ضد ميليشيا “سرايا الجواد” التي ترتبط بالمدعو سهيل الحسن (قائد اللواء 25 في جيش نظام الأسد). 

    تحالف عقدي.. بلا أدلة 

    ورجحت مصادر أمنية، تحدثت للـ”المدن” إمكانية أن تكون تلك الميليشيات مرتبطة بإيران أو تنسق مع جهات إيرانية أو متعاونة مع إيران، لكن المصادر لم توضح طبيعة هذا التنسيق أو شكله. 

    بالذهاب إلى تلك الميليشيات ومنها “درع الساحل” و”سرايا الجواد” فهي تضاف إلى مجموعة من الميليشيات الأخرى التي ظهرت عقب سقوط نظام الأسد، وهي: 

    لواء درع الساحل: بقيادة مقداد فتيحة، ويركز نشاطه على المنطقة الساحلية. وقد واجه هذا التحالف بعض الصعوبات لاحقاً، رغم وجود مؤشرات مبكرة على انضمام أعضاء من لواء درع الساحل إلى جماعة “أولى البأس”.

    أشباح روح المقاومة: بقيادة الدكتور عبد الحميد الشاملي، وتنشط في شرق سوريا، إلا أن هذا التحالف لا يزال غير مؤكد.

    سرايا العرين: وحدة شبه عسكرية يقودها العقيد هاشم أبو شعيب، وتتركز عملياتها في جنوب سوريا. ووفقاً لبيان جماعة “أولى البأس” الصادر في 8 من تموز/يوليو، تولّى أبو شعيب منصب رئيس قسم التعبئة والتنظيم.

    المقاومة الشعبية السورية: مجموعة تظهر معاداة إسرائيل، وتكن العداء للحكومة السورية، وتتبنى شعارات النظام السابق، ويظهرون تأييداً مباشراً لرئيس النظام المخلوع بشار الأسد.

     

    في شباط/فبراير 2025 دخلت هذه الجماعات في تحالف مع ما يسمى “جبهة المقاومة الإسلامية في سوريا” (أولي البأس) التي تشكلت في 9 من كانون الثاني/يناير 2025 بهدف محاربة إسرائيل. 

    ويقول الباحث في المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع (مسداد) في حديث لـ”المدن” إن هذه الميليشيات الناشئة في الساحل السوري مثل “لواء درع الساحل” و”سرايا الجواد” تمثل امتداداً  لفلول النظام الذين ارتبطوا عقائدياً بالمحور الإيراني لأكثر من عقد، وهو ما يفسر تبنيهم لشعارات مشابهة لـ”حزب الله” وخطاب “المقاومة ضد إسرائيل”.

    السيد، يرى أن هذا “الارتباط العقائدي” لم ينقطع، بل استمر عبر شخصيات عسكرية كانت مرتبطة سابقاً بطهران، ما يجعل هذه الفصائل جزءاً من محاولة إحياء النفوذ الإيراني في المنطقة.

    ورغم ذلك، فإن نشاط هذه المجموعات لا يزال “محدوداً ولا يرقى إلى مستوى الفوضى المنظمة”، بسبب الوجود الإسرائيلي والأميركي الذي يقوم بمراقبة وضبط أي توسع لمجموعات مرتبطة بإيران في الساحة السورية، على حد تعبير الباحث.  

    لكن السيد يرى أن هناك مؤشرات على وجود دعم لاستمرار هذه الظواهر بهدف “إثارة الفوضى”، حيث تحاول فلول قوات النظام، من شخصيات عسكرية ومستفيدين سابقين من أذرع النظام، إعادة تنظيم أنفسهم في الساحل وهذه المحاولات تهدف برأيه “إلى جر المنطقة نحو حالة من عدم الاستقرار لاستعادة بعض النفوذ الذي فقدوه بعد سقوط نظام الأسد”.

    على العكس من ذلك، استبعد الباحث في الحركات الجهادية حسام جزماتي، في حديث للـ”المدن” أن يكون لهذه الميليشيات ارتباط بإيران، ورغم أن أسماءها أو بعض مظاهرها الرمزية تأخذ من التراث العلوي ـ الشيعي لكنها لا تعني ارتباطا بالضرورة. 

    وقال جزماتي، إنه لا أدلة على ارتباطها بإيران، مشيراً إلى أن بعض المنتسبين لهذه المجموعات والذين تم إلقاء القبض عليه لم يكن مسلحاً، ما  يدل على عدم وجود دعم من دولة أو ما شابه ذلك.   

    هذه الميليشيات بحسب الباحث السوري معتز السيد، تتطلب تعزيز حضور الدولة في الساحل، ودعم المجتمع المحلي في رفض هذه المشاريع، وفضح الطابع الطائفي والإيديولوجي لهذه الفصائل، وقطع قنوات التمويل الخارجي، مشيراً إلى ضرورة بناء شبكات مدنية وأمنية قادرة على تحصين المنطقة من محاولات إعادة إنتاج الفوضى. 

    مهمة “مقاومة إسرائيل والحكومة”

    عدة جهات أعلنت عن نفسها كمجموعات “مقاومة” عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تزامناً مع التوغلات الإسرائيلية بعد سقوط نظام الأسد، في 8 من كانون الأول 2024.

    ظهر ما سمي بجبهة المقاومة الإسلامية في سوريا  (أولي البأس) التي ادعت وجود مقاتلين في سوريا يتبعون لها ويقاومون الوجود الإسرائيلي. 

     تتضمن منشورات وبيانات “أولي البأس” و”المقاومة الشعبية السورية”، و”سرايا العرين” تهجمات على ما تسميه “المشروع الصهيوني والأميركي والتركي”، فضلاً عن تهجمها على الحكومة الحالية، واتهامها بالتنسيق مع إسرائيل.

    وتشير بعض منشوراتها إلى تبعية لفلول النظام السابق عبر اعتمادها العلم السوري القديم ذي اللون الأحمر، واعتبار النظام السابق حاضنة “محور المقاومة”.

    كما أن هذه الجماعة، حظيت بـ “ترويج مبكّر” عبر شخصيات محسوبة على محور إيران، مثل العراقي عباس العرداوي، وشخصيات إيرانية بارزة، منها العميد بالحرس الثوري بهروز إصبتي، الذي أكد أن طهران تعمل مع عناصر سورية لتأسيس مثل هذه الفصائل، ما يُعزّز فرضية الرعاية الإيرانية.

    وبحسب تقرير لمعهد “واشنطن لدراسات الشرق الأدنى“، يبدو أن جماعة “أولى البأس” تتقاطع أيديولوجياً وتنظيمياً مع “فيلق القدس” التابع لـ”الحرس الثوري الإيراني”. ويجري تضخيم رسائلها عبر قنوات “تلغرام” الناطقة بالفارسية التابعة للحرس الثوري، مثل “فرقة السايبر” التابعة لـ”لحرس الثوري” الايرانى، كما أن شعارها يتشابه بوضوح مع شعارات الميليشيات المرتبطة بـ”الحرس الثوري”، مثل “حزب الله” اللبناني وحركة “النجباء” العراقية.

    منها “درع الساحل”.. هل تتلقي ميليشيات سورية دعماً من إيران؟ .

  • أربع نهايات لاقتصاد أسود واحد: أبو سلة… حسونة… نوح زعيتر وحسن جرافة

    أربع نهايات لاقتصاد أسود واحد: أبو سلة… حسونة… نوح زعيتر وحسن جرافة

    منذ حدّد رئيس الجمهورية جوزاف عون في خطاب القسم مطلع العام 2025، خارطة الطريق لبناء “وطن تحت سقف القانون، لا مافيات فيه أو بؤر أمنية، ولا تهريب أو تبييض أموال أو تجارة مخدرات”، بدا واضحًا أن مسألة تفكيك شبكات المخدرات وأوكارها في عهده، لن تُطرح كمسألة أمنية معزولة محليًا، بل كجزء من خيار سياسي أوسع، داخليًا وخارجيًا، يسعى لبنان إلى التموضع ضمنه، في مرحلة شديدة الحساسية إقليميًا ودوليًا.

    وعليه، لم يكن مفاجئًا في العام الأول من العهد الجديد، ما أظهرته القوى العسكرية من حزم تجاه العصابات “المحمية”. بل شكّل ذلك جزءًا من “استراتيجية وطنية” وضعت تحت مجهر العالم كله، وحُدد سقفها باحتكار حمل السلاح، الاستثمار في الجيش لضبط الحدود، ومنع التهريب، ومحاربة الإرهاب، وتطبيق القرارات الدولية، ومن ضمنها تفكيك منظومة الاقتصاد “غير الشرعي” الذي نتج عن تلاقي العقوبات الدولية المفروضة على سوريا بتنامي الاقتصاد النقدي في لبنان بعد انهيار عملته الوطنية، وكان ممره الحدود المتداخلة بين سوريا ولبنان، وخصوصًا خلال الحرب التي خاضها “حزب الله” في مساندة نظام بشار الأسد السابق.

    القرار السياسي أولًا

    يدرك رئيس الجمهورية كقائد أعلى للقوات المسلّحة وكرئيس للمجلس الأعلى للدفاع، أهمية الغطاء السياسي الداعم للعسكر في واحدة من أصعب مهماته الداخلية. فقبل توليه مسؤوليته الجديدة، خاضت المؤسسة العسكرية بإمرته، مواجهات مباشرة مع عصابات الاتجار بالمخدرات وتهريبها، وقدّمت في سبيل ذلك شهداء كثرًا.  ولكن ميزان القوى خلال تلك المرحلة، بقي مختلًا لمصلحة الشبكات. فاستمدّت الأخيرة غطاءها السياسي والأمني، من نفوذ القوى المهيمنة في مناطقها، والذي حوّلها جزرًا أمنية عصية حتى على سلطة الدولة.

    تبدل موازين القوى المحلية والإقليمية

    تختصر شخصية “سوبر ستار” تجار المخدرات نوح زعيتر في بعلبك الهرمل، طبيعة الغطاء الذي كان متوفرًا لعصابات المخدرات منذ خرج الجيش السوري من لبنان وحتى سقوط نظام بشار الأسد. فالمطلوب الأشهر والأكثر جدلية، شكّل نموذجًا صارخًا لوقاحة الإفلات من المحاسبة. ظهر في الإعلام، تجوّل بمواكب مسلّحة، شارك في مناسبات رسمية وغير رسمية، وحمل السلاح علنًا بوصفه “محاربًا ضد التكفيريين”.

    استفاد زعيتر من سردية “حزب الله” لتبرير احتضانه للبيئات العشائرية في البقاع، بوصفها خزان دعم عسكري وأمني. ولكنه كما سائر تجار المخدرات، اتخذ من هذه الرعاية “للعشيرة” مظلة سياسية وأمنية، سمحت له بممارسة نشاطه “اللاشرعي” بأريحية تامة.

    لم تبدُ حصانة زعيتر مهددة حتى بعد إدراج اسمه على لوائح العقوبات الأميركية في العام 2023. إلّا أن التصدع الذي أصاب “حزب الله” جراء خسارة حليفه السوري، وتراجع نفوذ ذراعه السياسي منذ سقوطه كقوة مقاومة لإسرائيل في العام 2024، أسقط معه هيبة اختراق بيئاته العصية على الدولة.  وصار نوح زعيتر كما غيره من تجار المخدرات بلا سقف أو حصانة. وهذا ربما ما جعله يستسلم بطريقة وُصفت بالتمثيلية، في مشهد فضح كل سنوات إفلاته من العدالة سابقًا.

    الدولة توزع رسائلها مع “أبو سلة”

    تدحرجت خلال العام 2025 كرة توقيف كبار تجّار المخدرات بوتيرة غير مسبوقة. وقد ترافق ذلك مع مداهمات واسعة، واستخدام أدوات وأساليب لم تكن مألوفة سابقًا. وفي تعقبها للمطلوبين نفذت القيادة العسكرية عمليات نوعية، ولم تتردد باستهدافهم حتى بواسطة المسيّرات والمروحيات. فكان باكورة نتائج هذا الحزم، سقوط علي منذر زعيتر أو “أبو سلة”.

    استحق زعيتر لقبه من أسلوبه الأول في توزيع المخدرات بواسطة سلة كانت تتدلى من شرفة منزله لتسليم الطلبات وتلقي الثمن، قبل أن ينفلش نشاطه لاحقًا ضمن شبكات أوسع.

    وهو قد شكل وفقًا لما أفادت معلومات صحافية، حلقة وازنة في منظومة تجارة المخدرات المتشابكة بين الأراضي اللبنانية والسورية. وقد ارتبط اسمه بعمليات تهريب عابرة للحدود، وبشبكات تمتد من البقاع إلى الساحل، وصولًا إلى الخليج.

    وفقا لبيان مديرية التوجيه كان “أبو سلة” مطلوبًا بأكثر من ألف مذكرة توقيف، بينها جرائم قتل عسكريين وخطف وإطلاق نار على دوريات الجيش. وعليه شكل مقتله في شهر آب من العام 2025، رسالة إلى المطلوبين بأن زمن التسويات الضمنية قد انتهى، وأن سقف المواجهة ليس أقل من تصفية البنية القتالية لتجار المخدرات، حتى ولو كان الثمن مواجهة مفتوحة. وهذا ما خلط الأوراق داخل البيئة الحاضنة لشبكات الاتجار بالمخدرات وتهريبها، وخصوصًا في منطقة بعلبك الهرمل.

    ما زاد من إرباك عصابات المخدرات في هذه المنطقة، أنها خسرت ملاذ طفارها على الطرف السوري من الحدود، إثر سقوط نظام بشار الأسد وتلاشي نفوذ الفرقة الرابعة، الشريك الحدودي في صفقات المخدرات المتنقلة بين الحدودين.

    حين تجنب نوح مصير أبو سلة وحسونة

    استعاد الجيش معادلة المواجهة المفتوحة هذه، في شهر تشرين الأول من العام نفسه. حيث اشتبكت قوة منه في محلة الشراونة ببعلبك مع عصابة يديرها حسين جعفر المعروف بـ”حسونة”. فلقي “حسونة” مصير “أبو سلة”، حتى لو كبد ذلك القوى العسكرية خسارة في صفوفها إثر استشهاد العنصرَين بلال البرادعي وعلي حيدر.

    في هذه الأثناء بدأت تسقط ورقة نوح زعيتر نهائيًا. فهم الرسالة من خلال عمليات الدهم الواسعة التي طالت منازل للأخير وعائلته، قبل تنفيذ الكمين الذي أدى إلى توقيفه.

    تعدّدت الروايات حول كيفية توقيف زعيتر. فالجيش ومصادره تحدّثت عن خطة أمنية استمرت أشهرًا من الرصد والتضييق. بينما ذهبت تحليلات صحافية إلى اعتبار توقيفه مخرجًا قانونيًا يفتح الباب أمام محاكمة وجاهية تسقط الأحكام الغيابية السابقة بحق زعيتر، أو تمهيدًا لعفو عام يُعاد فيه ترتيب الملفات الأمنية الثقيلة، حتى لو كانت استفادة نوح من مثل هذا العفو مستبعدة تمامًا. ولكن توقيفه كان من دون شك نتيجة مباشرة للتحوّل الأمني في مواجهة وكر المخدرات الذي فرضته الظروف الإقليمية والدولية، حتى لو جنّبت نتيجته نوح، نهاية مشابهة لـ “أبو سلة” و”حسونة”.

    في شاتيلا: حين خرج “المريب” ليقول خذوني

    ولكن أوكار المخدرات في البقاع لم تكن وحدها في مرمى القوى العسكرية، بل كان أبرز توسع لعملياتها في العام 2025 في محيط مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين. هذا المخيم الذي انفضحت غرف المخدرات فيه إثر مقتل الشاب إيليو أبو حنا.

    خرج “المريب ليقول خذوني” إثر الجريمة البشعة التي تعرض لها الشاب الذي ضل طريقه إلى المخيم. فأظهرت تداعيات الحادثة تمدّد تجارة المخدرات داخل واحدة من أكثر البيئات هشاشة، مستفيدة من الفقر، والتداخل العمراني، وغياب الدولة. فكشف “هنغار شاتيلا للمخدرات” عن نموذج لمراكز توزيع محصّنة بالسلاح والمقاتلين، تنطلق منها المخدرات إلى بيروت والضاحية وجبل لبنان.

    كانت أهمية توقيف هدم الهنغار وتوقيف مديره حسن نعيمي المعروف بـ “حسن جرافة” المحكوم بالمؤبد، بعد رصد وتعقب وبالتنسيق مع أمن المخيم، في كسر حلقة أخرى من حلقات تجارة المخدرات، بصرف النظر عن الحساسية الأمنية للمخيمات التي حظيت لفترة طويلة بأمن ذاتي، والتي لا تزال تثير شبهات كثيرة حول كونها ملاذًا آمنًا للطفار من كافة مناطق لبنان.

    عام المصادرات القياسية أيضًا

    منذ مطلع العام 2025 إذًا، بدا لبنان أمام فرصة نادرة لتنظيف سجله من سمعة “دولة الكبتاغون”. وقد جاء ذلك في ظل ضغوط خليجية وأميركية واضحة، وتعاون استخباري غير مسبوق، أدّى وفقًا لمعلومات صحافية إلى مصادرات قياسية، تجاوزت في تسعة أشهر فقط، مجموع ما تمت مصادرته  خلال خمس سنوات. هذا في وقت طرحت الدولة مع بدء تطبيق قانون تنظيم زراعة القنب، مسارًا بديلاً يقضي بتشريع الزراعة لاستخدامات صناعية وطبية. وهذا مسار من شأنه إذا شق طريقه بالسبل القانونية أن يحول “ذهب البقاع الأخضر” من اقتصاد أسود إلى نشاط منظم.

    لبنان أمام اختبار الثقة العربية والدولية

    لكن المعركة لا يبدو أنها حسمت بعد. فالشبكات التي نمت كبيت عنكبوت في المناطق الفقيرة، مستفيدة من الانهيار الاقتصادي والأمني وحتى السياسي، لا يمكن أن تسقط بالأمن وحده. وهذا ما يبرر الخشية من أن تبقى حملات تعقب تجار المخدرات، مجرد استجابة ظرفية للضغوط الخارجية. وبالتالي لا تتوفر لها ظروف مستدامة تسهم باستعادة ثقة الدول العربية والغربية بلبنان. علما أن هذا الملف شكل منذ العام 2021 أحد أبرز العوامل التي حددت علاقة لبنان بدول الخليج، ولا سيما السعودية، بعد حظر الواردات اللبنانية على خلفية شحنات الكبتاغون. وعلى رغم بداية ظهور تباشير ترميم هذه العلاقة في العام 2025، فإن الدول العربية ولا سيما الخليجية كانت واضحة على طول السكة بأن أي إعادة تطبيع اقتصادي أو تجاري مع لبنان، مشروطة بإجراءات ملموسة لا شكلية. وهذا ما يجعل من الحزم في توقيف نشاط تجّار المخدرات أحد شروط إعادة إدخال لبنان إلى “النظام الإقليمي المقبول”.

    قد لا يكون الاختبار في الواقع سهلًا، خصوصًا أن الدول المعنية لا تراقب عدد الموقوفين فقط، بل مصيرهم القضائي، واستمرارية الإجراءات. فالدولة التي تعهّدت ألّا تصدّر الى الخارج سوى “الأفضل” وفقًا لما ورد في خطاب القسم لرئيس الجمهورية أيضًا، لا يمكنها تحمّل كلفة تصدير الفوضى مرة جديدة بأسماء جديدة.

    فهل يتابع لبنان على مستوى سلطته الشرعية باستراتيجية واضحة للقضاء على “الاقتصاد الأسود” في العام 2026؟ أم تكون خطواته الملحوظة في العام 2025 مجرد شراء وقت لكسب ثقة دول العالم، كمحاولات أخرى كشفت على أكثر من صعيد؟

    أربع نهايات لاقتصاد أسود واحد: أبو سلة… حسونة… نوح زعيتر وحسن جرافة .

  • قمّة بين عون والشرع تستعيد مشهد “لقاء الخيمة”؟

    قمّة بين عون والشرع تستعيد مشهد “لقاء الخيمة”؟

    تسير العلاقات اللبنانية – السورية بعد انهيار نظام بشار الأسد بوتيرة مقبولة، رغم الملفات والأزمات العالقة بين الطرفين. وفي حال تسوية جزء أساسي منها، يطرح سؤال عن إمكان عقد قمة بين الرئيسين جوزف عون وأحمد الشرع.

    تناقش حلقة ضيقة من فريقي الرئيسين هذا الموضوع، رغم أنهما تبادلا الدعوات في لقاءاتهما في الخارج، من دون حسم قمة منتظرة من هذا النوع في بيروت أو دمشق، وإن كان من المبكر حسم الموعد لجملة من الأسباب والحساسيات العالقة بين الدولتين منذ أيام الانتداب الفرنسي إلى اليوم، وزاد عليها ما خلّفه حزب البعث على مدار أكثر من نصف قرن.

    ويجري الحديث عن عقد لقاء بين عون والشرع في محلة المصنع بقاعا، في استعادة لمشهد لقاء الرئيسين الراحلين جمال عبد الناصر وفؤاد شهاب في خيمة نصبت على حدود أرض البلدين في 25 آذار 1959، رغم اعتراض القيادي السوري آنذاك عبد الحميد السراج. إلا أن عبد الناصر الذي كان يومها رئيسا لمصر وسوريا، أصر على لقاء الخيمة واحترامه سيادة لبنان الذي كان قد خرج للتو من أزمة 1958.

    وفي تقييم للتطورات الجديدة مع سوريا، يؤكد نائب رئيس الحكومة طارق متري لـ”النهار” أن العلاقات ثابتة وتقوم على عاملي الثقة والاحترام المتبادل، ويجري العمل من الجانبين على تذليل العقبات، ولا سيما في ملف السجناء والموقوفين السوريين، في انتظار توقيع اتفاقية نهائية في الأسابيع المقبلة. وثمة مساع واتصالات جدية لإتمام صياغتها.

    ويقدّر عدد السوريين الموجودين في السجون اللبنانية بـ2600، أكثرهم من الملاحقين بجرائم غير أمنية، وقد أفرج عن نحو مئة في الأيام الأخيرة، من بينهم 20 شخصا أوقفوا لمناصرتهم وعضويتهم في “جبهة النصرة” آنذاك، والمفارقة أن أكثرهم لم يشأ العودة إلى سوريا.

    ويتواصل التعاون القضائي بين الطرفين، مع إلحاح سوري للإفراج عن مواطنيهم مقابل إصرار لبناني على عدم القفز فوق صلاحيات السلطات القضائية في لبنان، وهذا ما يشدد عليه وزير العدل عادل نصار.

    وفي المعلومات أن السلطة السورية الجديدة سألت الأمنيين اللبنانيين عن وجود ضباط كانوا في الجيش أيام نظام بشار الأسد، من دون تقديم معلومات مفصلة عن هؤلاء، سوى ما يتم تداوله في الإعلام. وكان الرد أن لا معلومات مفصلة عنهم، مع الإشارة إلى أن عددا منهم غادر لبنان من المطار ولم تكن في حقهم أي مذكرات سورية ولا من الإنتربول.

    وإذا كان ملف ترسيم الحدود، على أهميته، في حال البدء بتطبيقه قد يؤدي إلى عقد قمة بين عون والشرع، فإن التنسيق الأمني بين أجهزة البلدين مستمر من دون انقطاع، ولم تصل الأمور بعد إلى مرحلة الترسيم.
    في خلاصة العلاقات بين الدولتين، يقول متابعون لبنانيون إن الشرع لن يتعامل مع لبنان بـ”عقلية” حزب البعث وتجربة الرئيسين حافظ ونجله بشار، وأنه رغم اعتراضه على “حزب الله” جراء إسناده النظام السابق، فهو يريد فتح صفحة جديدة مع لبنان وعدم تكرار ممارسات الماضي، والعمل في سبيل كل ما يصب في مصلحة البلدين.

    قمّة بين عون والشرع تستعيد مشهد “لقاء الخيمة”؟ .

  • إسرائيل وتغذية الحرب الأهلية: “طائفٌ سوري” لحماية الوحدة

    إسرائيل وتغذية الحرب الأهلية: “طائفٌ سوري” لحماية الوحدة

    لم تكن زيارة المسؤول الأمني في نظام بشار الأسد كمال الحسن إلى إسرائيل في بداية شهر كانون الأول هي الزيارة الاولى إلى تل أبيب، بل سبقتها زيارة أخرى في شهر أيلول الفائت، من ضمن تحركات يقوم بها ضباط محسوبون على نظام بشار الأسد يسعون للحصول على دعم خارجي بهدف إعلان منطقة الساحل إقليم مستقل بذاته. يومها حصلت زيارة كمال الحسن بطائرة خاصة، علماً أنه الشخصية التي تحتوي على كل الداتا المعلوماتية الكاملة عن آل الأسد وهو الذي عمل على إخراج هذه المعلومات معه إلى روسيا. كانت الزيارة إلى إسرائيل بعد أشهر على مجازر الساحل والتي وقعت في شهر آذار الفائت، وجاءت بعد محاولات من قبل ضباط محسوبين على الأسد للقيام بتحرك إنفصالي أيضاً. 

    حركة تسلح في الساحل

    لم تكن التسريبات اليومية حول حوادث أمنية في دمشق أو القصر الجمهوري ولا الحديث عن حصول عمليات اغتيال تطال شخصيات قريبة من الرئيس أحمد الشرع بالتسريبات العبثية، فعادة عندما تتكاثر مثل هذه الأخبار الأمنية غالباً ما يكون هدفها التغطية على شيء ما يتم تحضيره. وفي هذا السياق، تتوارد الأخبار والمعلومات التي تتحدث عن التحضير لتحركات جديدة في الساحل السوري في المرحلة المقبلة، ولكن هذه المرة لن تكون تحركات سلمية، بل قد يتخللها عمل عسكري في محاولة لإخراج القوات التابعة لدمشق من مناطق الساحل، وإعلان المنطقة إقليماً ذاتياً. وبحسب ما تتحدث المعلومات فإن حركة تسلح كبيرة حصلت في الساحل خلال الفترة الماضية، كما أن هناك مجموعات تحتفظ بالكثير من الأسلحة التي كانت معها منذ ما قبل سقوط بشار الأسد. 

    تنسيق ثلاثي

    يبقى الخوف قائماً من حصول تطورات دموية في سوريا، وهذا ما قد يعيد إنتاج مخاطر الحرب الأهلية واندلاعها في ظل الانسداد السياسي، بينما في المقابل تبرز جهود دولية كثيرة تسعى إلى تثبيت الاستقرار في سوريا، وهو ما يسعى إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من خلال إقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي بإبرام اتفاق مع دمشق. عملياً، قد تدفع الضغوط الأميركية إسرائيل إلى خفض تصعيدها ضد سوريا والدخول في مفاوضات، ولكن هذا لا يبدو أنه سيكون كافياً في حال استمرت الأزمة الداخلية، سواء في الساحل، أو شمال شرق سوريا، أو السويداء. وسط معلومات أصبحت مؤكدة عن حصول تنسيق بين المكونات الثلاث في هذه المناطق للاتفاق على مطالب محددة، إما الفيدرالية أو اللامركزية الموسعة السياسية والمالية وليس الإدارية فقط. 

    إسرائيل والاستثمار في الأقليات

    خلال لقائه ترامب، قال نتنياهو إن إسرائيل تريد حدوداً آمنة مع سوريا، وأن توفر الحماية للدروز والمسيحيين، أي للأقليات، وهذا ما يعني أن أي تأزم سوري داخلي سيدفع إسرائيل إلى استغلاله أكثر تحت شعار حماية الأقليات، وهو ما يدفع إلى الخوف من حصول تحركات منسقة ومتزامنة في المرحلة المقبلة لإعادة تغيير الوقائع، وفرض توازنات جديدة، لا سيما في حال حصلت التحركات بشكل متزامن من الجنوب، والشمال الشرقي والساحل، لأجل إضعاف سلطة دمشق وتشتيت قوتها وفرض أمر واقع معين. 

    سقوط سايكس- بيكو

    في العام 2016 وخلال لقاء مع ديبلوماسي أوروبي معني بملفات المنطقة وبسوريا بالتحديد، وفي ظل معركة حلب، قال الرجل بوضوح: “لو بقيت سوريا كما كانت أيام الجنرال غورو، لما حصل كل ما تشهده هذه الأيام”. ويعتبر أن الحلّ للأزمة السورية لن يكون في ما بعد إلا وفق هذه القاعدة، لكن بالإطار السياسي الدولتي القائم؛ أي إعادة إنتاج الفيدراليات أو الدويلات على أساس عرقي أو طائفي. وقبل فترة أعلن الأميركيون على لسان مبعوثهم سقوط سايكس- بيكو وإعادة فتح التواصل السياسي والاقتصادي التركي الخليجي انطلاقاً من سوريا. سقوط سايكس- بيكو لا يروق لدول كثيرة ولا سيما دول أوروبية تعمل على التواصل مع جهات عديدة في سوريا وتعلن دوماً حمايتها للأقليات. وهذا ما سيكون قابلاً للتجدد في أي لحظة، بميدان الصراع، بينما الدول التي أعلنت أيام بشار الأسد أنها تتمسك بالحفاظ على وحدة سوريا في مواجهة “سوريا المفيدة”، فستبقى على رفضها لنموذج “غورو”، ما قد يدفع إلى تقديم طروحات سياسية جديدة حول نظام الحكم، وكيفية توزيع الصلاحيات التي يمكن تحويلها إلى مجلس الوزراء، والبحث في التوزيع الطائفي للرئاسات مع اعتماد اللامركزية التي لا تتسبب بأي تقسيم أو تهديد للكيان، أي ما يعني انتاج نموذج يمكن وصفه بـ”الطائف السوري”. 

    إسرائيل وتغذية الحرب الأهلية: “طائفٌ سوري” لحماية الوحدة .

  • أي تهديد لأموال النقابات وصناديق التعاضد بفعل قانون الفجوة المالية؟

    أي تهديد لأموال النقابات وصناديق التعاضد بفعل قانون الفجوة المالية؟

    الحقوق المكتسبة من المحرّمات الّتي أكد المجلس الدستوري عدم تقويضها في أي تشريع جديد سواء بمفاعيل رجعية أو بمفاعيل مستقبلية.

    من هذه الانطلاقة، يمكن مقاربة مسألة أموال النقابات وصناديق التعاضد وعلاقتها بقانون الفجوة المالية الذي أقرته الحكومة أخيراً.

    فهل من تهديد لهذه الأموال بعد إقرار مشروع القانون؟

    يبادر نقيب المعلمين في المدارس الخاصة نعمة محفوض إلى التأكيد أن “أموال النقابات والصناديق ليست أموالاً تجارية، ولم تُستخدم للمضاربة أو الاستثمار، بل هي أموال مخصصة للتقاعد والتعويضات، ومن هذا التفسير ينبغي النظر إليها والتعامل معها. ثم ألا يكفي أن النقابات تتحمل عبئاً عن الدولة في التقاعد وشيخوخة المعلمين والموظفين، فيصار اليوم إلى تحميلها أعباءً إضافية”.
    هكذا، تتوالى موجات الرفض على قانون الفجوة المالية الأخير، الذي أتى رسمياً تحت عنوان: “قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع”، إنما يبدو من الانتقادات التي توالت أن الودائع لن تُستردّ، بنظر أصحابها.

    يرى محفوض أن “السلطات المتعاقبة هي المسؤولة عن الفجوة المالية وأن ما جرى هو اعتداء على أموال النقابات. إن القانون لم يلحظ أموال صناديق التعاضد والتعويضات والتقاعد وأموال النقابات، مثلاً صندوق نقابة المعلمين كان يملك قبل الأزمة المالية نحو 1200 مليار ليرة لبنانية، أي ما يعادل نحو800 مليون دولار أميركي، إلا أن هذه الأموال باتت اليوم أوراقاً بلا أي قيمة”.

    وإذ يدعو محفوض من يعارض القانون إلى تعديله داخل مجلس النواب، يشير إلى أن “نقابات المهن الحرة ستجتمع قريباً، بغية وضع تصوّر أو خطة لتعديل قانون الفجوة المالية داخل مجلس النواب، بشكل يضمن، في الحد الأدنى، حماية أموال النقابات وصناديق التعاضد والتقاعد”.

    ولم تكن نقابة المعلمين النقابة الوحيدة التي رفضت القانون، إذ سارع أيضاً مجلس إدارة الصندوق التعاضدي لموظفي المصارف إلى “مناشدة النواب إعادة النظر في نصوص مشروع قانون الفجوة المالية والعمل على إدراج تعديل يعيد لصناديق التعاضد الودائع المحجوزة”.

    أما من الناحية الدستورية النظرية، فيشرح الخبير الدستوري الدكتور جهاد اسماعيل أن “مشروع قانون الفجوة المالية، يحفظ، من الناحية النظرية، حقوق المودعين على اختلاف تراتبيتهم، إلا أن الآلية التي يعتمدها هذا المشروع في شأن الودائع الكبرى، أي التي تتجاوز 100 ألف دولار، تُفرغ هذا الحق من مضمونه بسبب تعريضها للجدولة أو الهيكلة إذا قرر ذلك المصرف المركزي، بموافقة الحكومة، بعد 10 سنوات عندما يقرر تخلّفه عن سداد هذه الديون، تبعاً للاستنساب الّذي يؤمّنه المشروع له”.

    ويتدارك: “إذا كانت ودائع النقابات وصناديق التعاضد تندرج ضمن فئة أصحاب الودائع الكبرى فيسري عليها ما يسري على آخرين، عدا أن هذا المشروع يخلو من وعاء حسابي دقيق يوضح الأرقام وحقيقة الحسابات والتمويل، مما يقوّض مبدأ وضوح التشريع الذي يعتبر مبدأً ذا قيمة دستورية لا يجوز مخالفته”.

    إذن، يستنتج إسماعيل أنه “بما أن ودائع النقابات وصناديق التعاضد هي من الحقوق المكتسبة، فإن المجلس الدستوري أكد، في القرار رقم ١ صادر عنه في عام 2024، بأن حق المشرّع في وضع نصوص تحمل مفاعيل رجعية ليس مطلقاً بل خاضع لضوابط أهمها عدم التعرّض لوضع قانوني مستقر يؤمّن حقوقاً مكتسبة وضمانات كرّسها الدستور، ما يعني أن الحقوق المكتسبة من المحرّمات التي أكد المجلس عدم تقويضها في أي تشريع جديد سواء بمفاعيل رجعية أو بمفاعيل مستقبلية”.

    أي تهديد لأموال النقابات وصناديق التعاضد بفعل قانون الفجوة المالية؟ .

  • عام عاصف على إيران… الملالي أمام اختبار مصيريّ

    عام عاصف على إيران… الملالي أمام اختبار مصيريّ

    عام ثقيل مرّ على إيران. عام بدأ بالضربات ولم ينتهِ عند حدود الانهيار الداخلي. عام بدأ بخروج الديمقراطيين من البيت الأبيض وعودة ترامب على رأس إدارة ألغت مفاعيل الدبلوماسية الليّنة وسرعان ما أعلنت مهلة زمنيّة محدّدة بـ 60 يومًا للانتهاء من الملف النوويّ، وإلّا الحسم العسكريّ، فكانت سلسلة استهدافات متلاحقة طالت برنامج طهران النووي، وأصابت مواقع حسّاسة وعمليات تخصيب بالغة الدقة، وأحدثت صدمة داخل أروقة النظام. هذه الضربات لم تكن حدثًا أمنيًا عابرًا ولا مجرّد رسائل ردعيّة، بل شكّلت مسًّا مباشرًا بأحد أعمدة عظمة الجمهورية الإسلامية ورمزيتها الاستراتيجية، وكشفت في الوقت نفسه هشاشة منظومة أمنيّة لطالما تباهت بقدرتها على الحماية والردع.

    الاستهدافات النوويّة، التي تراوحت بين ضربات جويّة وعمليات ميدانية وهجمات سيبرانية، أعادت إلى الواجهة سؤال الاختراق الأمنيّ، ورفعت منسوب القلق داخل القيادة الإيرانية، خصوصًا أنها طالت مشروعًا تعتبره طهران ضمانة وجودها ونفوذها في الإقليم. وفي لحظة إقليميّة شديدة التعقيد، بدت إيران مكشوفة أكثر من أيّ وقت مضى، وسط تضييق الخناق عليها من أكثر من اتجاه.

    نجا النظام من الضربات ولو مترنحًا، لكنه لم يسلم من إعادة تفعيل ملف العقوبات الذي عاد إلى الواجهة بقسوة مضاعفة، ولكن هذه المرّة من البوّابة الأوروبية. فبعد أن فقدت إيران محاورًا ليّنًا في واشنطن، ها هي تفقد أيضًا ليونة المواقف من الجانب الأوروبي. وكأن كلّ شيء انقلب رأسًا على عقب. عقوبات أوروبية وأممية أُعيد تفعيلها، قنوات مالية أُغلقت، وتعثرت مفاوضات الملف النوويّ من دون أيّ أفق جديّ لإحيائها. لم تعد العقوبات مجرّد ضغط اقتصاديّ، بل تحوّلت إلى أداة سياسيّة تهدف إلى عزل طهران وتقليص قدرتها على الحركة. ولم تقتصر الضغوط على البرنامج النوويّ، بل امتدّت إلى أذرعها العسكرية في المنطقة، التي شهدت تراجعًا ملحوظًا في نفوذها، سواء في لبنان أو في سوريا، حيث شكّل سقوط نظام الأسد ضربة قاسية قطعت طريق المحور وكسرت هلالًا كانت طهران تعتبره خط دفاع استراتيجيًا متقدّمًا لها.

    هذا التراجع الإقليميّ ترافق مع عزلة سياسية واقتصاديّة متزايدة، في توقيت دوليّ بالغ الحساسيّة، حيث تتقاطع أزمات كبرى وحروب مفتوحة وتغيّرات في موازين القوى. وفي ظلّ هذا المشهد المركّب، انتقلت تداعيات الضغوط الخارجية بسرعة إلى الداخل الإيراني. تحت وطأة هذا الضغط المتراكم، انفجر الداخل الإيراني على وقع انهيار اقتصاديّ غير مسبوق. الريال الإيرانيّ تراجع إلى أخطر مستوى في تاريخه عند نحو مليون و 400 ألف ريال مقابل الدولار، ما يعني عمليًا أنه فقد حوالى 98 في المئة من قيمته خلال سنوات قليلة. هذا الانهيار لم يكن رقمًا ماليًا فحسب، بل ترجمة مباشرة لأزمة بنيوية عميقة، عمّقتها العقوبات، وسوء الإدارة، وانسداد الأفق السياسي.

    الأسعار حلّقت، القدرة الشرائية تآكلت، والطبقة الوسطى باتت شبه معدومة. الشارع عاد إلى الغليان، وهذه المرّة بوتيرة متعاظمة من المرجّح أن تتخطى موجات الاحتجاج السابقة. تحرّكات واعتراضات عمّت طهران وتوسّعت إلى مدن أخرى، وحملت رسالة واضحة: لا ثقة بالإدارة الرسمية بعد انكشاف وعودها الكاذبة في ظلّ غياب أي مؤشرات حقيقيّة على انفراج قريب.

    اللافت في هذه المرحلة أن ردّ النظام لم يأتِ على النحو التقليديّ الذي اعتاده الإيرانيون. فمن يراقب المشهد الداخلي يلاحظ بوضوح تحوّلًا في الأسلوب. القبضة الأمنية لم تختفِ، لكنها بدت أقلّ حدّة، وأكثر حذرًا، إذ سبقت الغضب الشعبي مشاهد حفلات موسيقية في الشوارع، وتراخ نسبيّ في تطبيق بعض القيود الاجتماعية، في محاولة واضحة من قبل نظام الملالي لامتصاص الغضب الشعبي وتخفيف حدّة الاحتقان، وإبعاد شبح الانفجار الداخليّ، بعد فشل السلطة في تقديم أيّ حلّ عمليّ أو إصلاحيّ يريح الشعب في يوميّاته، وسط تركيز نظام المرشد على الخطاب العسكري التصعيديّ ومحاولة تظهير تعافي البنيان الحربي وإعادة تكوين ما تهدّم.

    ولم تأبَ هذه السنة الرحيل قبل أن يخرج ترامب من مارالاغو، وإلى جانبه نتنياهو، “بطل الحرب”، كما سمّاه الرئيس الأميركي، ليهدّد النظام الإيراني من مغبّة الضربة القاضية في حال حاول إعادة إحياء برنامجيه النووي والصاروخي، وتهديد أمن المنطقة.

    في المحصّلة، بين ضربات استهدفت قلب البرنامج النووي، وتشديد غير مسبوق للعقوبات، وتراجع النفوذ الإقليمي، وانهيار اقتصادي داخلي، يقف النظام الإيراني أمام مرحلة دقيقة لا تشبه سابقاتها وتفرض عليه خيارات قليلة، أحلاها مرّ. فإذا تراجع أمام أميركا وإسرائيل سيواجه غضب أنصاره، وإذا أعاد تفعيل المواجهة معهما، يكون حقق رغبات نتنياهو الذي يخرج من منتجع ترامب بضوء أخضر لضرب ما تبقى من قدراته العسكرية. أمام هذا المشهد المأزوم، وخيارات إيران الصعبة، يبقى السؤال الأكبر: هل تتجه طهران نحو تسوية تفتح نافذة تفاوض وتخفف عزلتها الخانقة، أم تختار المضيّ قدمًا في طريق التصعيد، بكلّ ما يحمله ذلك من مخاطر على استقرارها ومستقبلها، داخليًا وخارجيًا؟

    عام عاصف على إيران… الملالي أمام اختبار مصيريّ .