تحديد موعد مؤتمر دعم القوى العسكرية أحيا “الخماسية الديبلوماسية” واجتماع “الميكانيزم” بكامل الاطقم المدنية في الساعات المقبلة ينهي فكرة “تفكيك العسكرية” في انتظار بديل “اليونيفيل”. وعليه على الجميع ان يحتسب بأن للدعم الإقليمي والدولي مهلة محدودة، ما لم يلاقيها الداخل اللبناني!؟
قبل أن يصارح رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون اللبنانيين في الذكرى السنوية الأولى لانتخابه بالحقائق المتصلة بالاستحقاقات الكبرى، كانت بعض التسريبات المشبوهة تتحدث عن تفكيك “الخماسية” بوجهيها الديبلوماسي والعسكري، بالقول إنّ هناك مسعى لعزل قطر ومصر عن الديبلوماسية، وفرنسا عن العسكرية. وهو ما تدحضه الوقائع لمجرد إطلاق برامج دعم القوى العسكرية، ومواكبة قرارات حصر السلاح والإصلاحات والانتظام المالي، عشية الاجتماع السابع عشر لـ “الميكانيزم” بصيغته السياسية. وعليه، ما هو الجديد الذي يكشف هزالة هذه المفارقات؟
يعتقد كثر من المراقبين الديبلوماسيين والسياسيين ورجال الاستخبارات، انّه من المفيد جداً عدم إعطاء بعض القراءات الاستباقية التي تتحدث عن احتمال تفكيك بعض التحالفات الكبرى الراعية للوضع في لبنان ومحيطه في المنطقة. فليس من السهل والمنطق تفهّم مثل هذه النظريات التي دحضها فقدان أي مظهر من مظاهر الخلل الذي يمكن ان ينشأ، مهما ظهر من تباين في بعض الملفات الصغيرة. ذلك أنّه بدأ يترجم الانتصار الذي تحقق في المنطقة بعد سقوط “حلف الممانعة” الذي ترجمته صيغة “وحدة الساحات” التي بقيت حبراً على ورق ومجرد نظريات تلفزيونية غصّت بها الشاشات، قبل أن يظهر انّها نظرية “وهمية” قادت البعض ممن اعتقد انّها آلية ممكنة إلى التهلكة، قبل ان يفتقد من يناصره وينعشه نتيجة عدد من المؤشرات التي لا يمكن إحصاؤها.
على هذه الخلفيات، تعدّدت السيناريوهات التي تلاقت فيها الماكينة الإعلامية الاسرائيلية وبعض أطراف الداخل الذي ينتظر ما يبرّر مواقفه بحديثه عن المخاوف الإسرائيلية الوهمية، التي تستند إلى نظرية تضخيم قدرات العدو وتكبير حجمه ومخاطره، لتبرير الاستمرار في استخدام العنف المفرط، فتستدرجه إلى التمسك بمواقفه الانتحارية من ضرورة الاحتفاظ بالسلاح غير الشرعي، في ظل الإجماع الداخلي والإقليمي والدولي على حصره بالجيش والمؤسسات العسكرية والأمنية، لتجاوز ما تسببت به النكبات التي أصابته وصولاً إلى تدمير البلاد وتشريد عشرات الآلاف من سكان الجنوب والبقاع، وإعاقة مشاريع الإصلاح المالي وفتح الساحة اللبنانية أمام الاستثمارات المشروطة بالأمن المستدام والإصلاح المطلوب على اكثر من مستوى، للمساهمة في تقوية الجيش وإعادة بناء المؤسسات واستعادة أدوارها.
لم يكن أصحاب هذه النظرية ينتظرون مضمون البيان الرئاسي الذي صدر عقب اللقاء الذي أنهى الجدل القائم منذ فترة طويلة حول موعد المؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي في الخامس من آذار المقبل في باريس، على ان يفتتحه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون. وهو اللقاء الذي شكّل مبادرة غير مسبوقة في تاريخ تشكيل الخماسية الدولية بصيغتها الديبلوماسية قبل العسكرية، والذي جمع رئيس الجمهورية بكل من المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان والموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان وكل من سفراء الولايات المتحدة الأميركية ميشال عيسى، فرنسا هيرفيه ماغرو، السعودي وليد بخاري، مصر علاء موسى، قطر سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، ومساعد وزير الدولة للشؤون الخارجية القطري محمد بن عبد العزيز آل ثاني، والذي شكّل محطة مهمّة في تاريخ نشاط الخماسية، ببلوغه ذروة التنسيق والتعاون المشترك بين الأطراف كافة ولو بنسب مختلفة.
وليس غافلاً على المراجع المعنية بأدق التفاصيل ما يجري على الساحة اللبنانية، انّ هذا الدعم الإقليمي والدولي القائم يحتاج إلى ما يحصّنه ويواكبه من الداخل اللبناني، مخافة أن يرفع يده من كل ما هو مطروح من خطوات التعافي والإنقاذ، والانتقال من مرحلة “تجميد العمليات العدائية” إلى مرحلة “وقف النار” وتأمين الانسحاب الإسرائيلي والإفراج عن الأسرى. وهو أمر لا يقوم ما لم تستطع السلطة اللبنانية بمؤسساتها الدستورية القيام بكل أدوارها في الأمن والسياسة والعلاقات الخارجية وإعادة الإنتظام المالي، مع ما تحتاجه هذه المرحلة من تنازلات داخلية لاستيعاب كل مظاهر الخروج على القانون. وبالتالي لا نقاش في ضرورة تراجع البعض، لا بل تناسي، كل أشكال المساندة الخارجية خارج إطار التعاطي “من دولة إلى دولة” أياً كان شكل هذا التدخّل وما يمكن ان ينتجه من دعم. وهي خطوة تقطع الطريق أمام أي خطوة تعوق قيام الدولة في موازاة الضغوط الخارجية لإنهاء مفاعيل استمرار قيام بعض الدويلات وإقفال المحميات الأمنية وتفريغ مخازن الأسلحة وتفكيك مصانعها، التي لم تعد هناك أي قدرة على استخدامها، بعدما استجرّت مسلسل الحروب تحت شعارات سقطت الواحد تلو الآخر، بكل مقوماتها قبل ان يرى أصحابها ومطلقوها أي خطوة سبق ان مننوا انّها اطلّت إلى النور أو في اتجاهه، وسقوط مسلسل الأوهام التي بلغت مستويات مضخمة.
وانطلاقاً مما تقدم، تعتقد المراجع عينها انّ كل التسريبات التي تحدثت عن احتمال تفكيك الخماسية الديبلوماسية قد وجدت طريقها إلى النهاية الحتمية، وهو أمر يترجمه سقوط كل دوافعها وأسبابها وظروفها، وباتت من الماضي تعيش في أذهان من اعتقدوا انّ كل ما بُني بالتعاون بين مختلف هذه الدول يمكن ان ينهار في أي لحظة، غير مدركين للعبة الديبلوماسية التي تسمح بالتنافس بطريقة يمكن ان تتخذ شكل “توزيع ادوار” تحت سقف السباق المبرر بين الحلفاء كما بين الخصوم، والتي لا يمكن ان تؤدي إلى سقوط المشاريع المبنية على الاستراتيجيات الكبرى التي تضعها الإدارات العميقة في الدول الكبرى، لتعزيز حضورها على الساحتين الإقليمية والدولية وحماية مصالحها، بعد احتساب السلبيات والإيجابيات لكل خطوة بما لا يمكن ان تؤدي إلى دعسة ناقصة.
وفي الخلاصة المنطقية، انّ كل مشاريع تفكيك الخماسية الديبلوماسية قد سقطت بكل أشكالها. ومن لا يزال يدّعي سقوط الخماسية العسكرية (الميكانيزم) عليه ان ينتظر اجتماعها السابع عشر في الساعات المقبلة بكامل طاقمها المدني بمشاركة اميركية وفرنسية ولبنانية وإسرائيلية، فتنتهي هذه الرواية إلى نهايتها الحتمية. فليس كل ما يتمناه بعض المشككين يدركه، ما لم يمتلك الرؤية القادرة على ترجمة الأمنيات والرغبات، فإنّ أرادتها قوى داخلية فهي لم تحتسب كل الخسائر المحتملة على البلد، وإن أرادتها إسرائيل على خلفية موقفها الرافض وجود اي مراقب أممي او دولي على حدودها، فقد حققت رغبتها “الموقتة” بإنهاء مهمّة “اليونيفيل” لوقف إحصاء خروقاتها واعتداءاتها. ولكن عليها في المقابل أن تستعد لدور “القوة البديلة” التي ستلعب دوراً مختلفاً وأكثر فاعلية في مستقبل الأيام. ذلك انّ المجتمع الدولي لن يسمح لإسرائيل مهما بلغت قوتها، أن تبقى متجاهلة حق لبنان بالسيادة والاستقلال متى استعاد دوره كاملاً. وهذا ما هو منتظر إن كان السعي إلى سلام شامل ودائم يدّعي العالم السعي إليه وتحقيقه.
هكذا سقطت مشاريع “تفكيك الخماسية” بوجهيها الديبلوماسي والعسكري!؟ .















